NSO

الحدود السورية التركية، قتلٌ مجاني ومافيات تهريب متعاملة مع "هيئة تحرير الشام"

منطقة جبلية بريف إدلب على الحدود بين سوريا وتركي يعبرها عادةً النازحون المتوجهون إلى تركيا

مع استمرار المواجهات المسلحة داخل الأراضي السورية وسوء الأوضاع الأمنية، والمعيشية في كافة المناطق، اضطر كثير من السوريين لترك أماكن إقامتهم ومحاولة السفر خارج سوريا، سواء للبحث عن فرص أفضل، أو لأنهم كانوا مضطرين لذلك بسبب القصف أو الاعتقال أو التهجير القسري أو غير ذلك.

وخلال سنوات الثورة السورية توزع أكثر من سبعة ملايين سوري على دول الجوار كالأردن ولبنان وتركيا والعراق، إلا أن الحصة الأكبر من اللاجئين كانت من نصيب تركيا بسبب تساهلها مع الهاربين من سوريا في بداية الأمر، إضافة لطول حدودها مع سوريا.

ومع زيادة التشديد الأمني على الحدود، بات من الصعب الهرب من سوريا ودخول الأراضي التركية، إلا أن ذلك فتح بابا واسعا أمام مهربي البشر، الذين استطاعوا استغلال هذه الأوضاع السيئة، ليبدؤوا بعد ذلك بتنظيم أنفسهم مشكلين عصابات كبيرة تتحكم بجزء من الجانب السوري للحدود.

رصد فريق NSO بعض عمليات التهريب من إدلب إلى تركيا، حيث التقينا بعدد من الضحايا الذين تحدثوا عن تفاصيل ما يجري منذ بداية رحلة التهريب، كما التقينا بعدد من الأشخاص ممن عملوا بتهريب البشر لمعرفة مزيد من التفاصيل عن هذه الرحلات التي فقد مئات المدنيين حياتهم خلالها.

 

*استغلال المهرّب للمسافرين يبدأ قبل انطلاق الرحلة

تبدأ عملية التهريب من إدلب إلى تركيا باختيار أحد المهربين، حيث يحاول البعض البحث عن التكلفة الأقل بينما يبدي البعض استعدادهم لدفع مبالغ كبيرة مقابل الدخول بطريقة مضمونة من الحدود، كما أنه قد يضطر للمحاولة أكثر من عشر مرات قبل أن يعبر، إذا نجح بذلك.

ويقول خليل العلي من محافظة الرقة، إنه عاد إلى مدينته حديثا بعد أن خسر أكثر من 1500 دولار بسبب فشل محاولات الدخول إلى تركيا، مضيفا أن المهرب حاول إقناع النازحين بأن عملية العبور ستكون سهلة وأن الطريق آمن والمبلغ الذي سيدفعه قليل بالمقارنة مع بقية المهربين.

وأوضح خليل أنه بعد كل رحلة فاشلة يجبر "الدليل" النازحين على دفع 100 دولار كتعويض له عن تعبه، مؤكداً أن ذلك غالبا ما يكون تحت تهديد السلاح، إذ يلزم "الدليل" زبائنه على دفع المبلغ في طريق العودة قبل الوصول إلى المدينة.

وعن الطرق التي يسلكها المهربون قال الدليل ابو محمد: الطرق كثيرة، لكن أبرزها حالياً طريقا الدرية بمنطقة دركوش، وطريق سلهب في المنطقة التي تحمل نفس الاسم، والذي يسمى طريق الوادي، مضيفاً: هنالك طرق اخرى مثل طريق نهر العاصي، وطريق خربة الجوز، وطريق الييمضية، وأكد أنه يتم تغيير الطرقات بعد اكتشافها من قبل الجندرما، وأن لكل مهرب طريق مخصص يمنع استخدامه من قبل غيره.

وأضاف "خليل" أن المهرب يأخذ الأشخاص الذين يتفق معهم بعد ذلك إلى مكان مهجور بعيد غالبا، حيث يمكن أن يبقى الراغبون بالسفر فيه قرابة أربعة أيام بحجة تأمين الطريق، إلا أنهم في الواقع يؤجلون العملية كي يجمعوا أكبر عدد ممكن من الأشخاص، كما أنهم خلال هذه الفترة قد يطلبون دفع مبلغ إضافي بحجة تغيير الخطة، حيث يبدأ استغلال المسافرين قبل انطلاق الرحلة.

بعد ذلك يأتي شخص آخر يبدو أنه أعلى شأنا من بقية المهربين، ويستلم النقود من الراغبين بالدخول إلى تركيا، والذين يبلغ عددهم في كل نقطة نحو 150 شخصا، ليتم إخراجهم بعدها باتجاه الغابات حيث يلتقون هناك مع مئات آخرين، وفق ما قال "خليل" مضيفا أن كل رحلة تشمل نحو ألف شخص تقريبا، يُوزَعون على مجموعات تسلك طرقا مختلفة.

وأشار خليل أن كل مجموعة يرافقها ثلاثة أشخاص يتببعون للمهربين ويعرفون طرقات المنطقة، يسير أحدهم في مقدمة المجموعة والآخر خلفها، بينما يبقى الثالث متأخرا، مضيفا أن اثنين من المرافقين يكونان مسلحين، بينما يكون الشخص الذي سيرافقهم إلى داخل الأراضي التركية أعزلا.

من جهته أفاد لؤي وهو شاب من مدينة حمص، بأنه لا يوجد سعر محدد للتهريب، إذا يدفع الشخص الذي جرب العبور سابقا 300 أو 400 دولار أمريكي، اما الذي يحاول للمرة الأولى فقد يدفع ألف دولار وقال: "أنا دفعت 300 دولار أمريكي"، مشيرا أن المهربين يخدعون الأهالي ويقولون إنهم سيسلكون طريقاً عسكرياً بالاتفاق مع الجندرما التركية، إلا أن الطريق الذي يفترض أن يقطع بساعتين حسب قولهم، يستغرق أكثر من 12 ساعة في الحقيقة.

 

* عصابات تحتكر طرقات العبور وتقتل المنافسين

تنتشر اعداد كبيرة من "المهربين" في المدن والبلدات الحدودية، ويمكن لأي شخص راغب بالعبور من سوريا إلى تركيا أن يسأل السكان المحليين في المنطقة عن المهربين، وسوف يدلونه عليهم بسهولة، إلا أن الأشخاص الذين التقى معهم مراسل NSO يؤكدون أن هؤلاء ليسوا المهربين الحقيقيين ، وإنما هم أتباع لمهربين كبار يديرون هذه العمليات ويسيطرون عليها.

ويقول عبدالله محمود (23 سنة) من ريف حلب الشرقي، إنه حاول دخول تركيا 18 مرة على الأقل وقد فشلت جميعها، مضيفا أنه كان يتعرف على مهرب جديد في كل مرة، وكان مضطراً للدفع للشخص ذاته في كل مرة، حيث حاول العبور مرتين في كل شهر طيلة تسعة أشهر.

ويوضح "عبدالله" أنه عاش تسعة أشهر مع المهربين واستطاع خلالها ان يعرفهم جيدا، قائلا إنه كان يتعامل مع من وصفهم بـ "المهربين الصغار" والذين يعملون لصالح مهرب أكبر، هو الذي يستلم نقودهم، مضيفا أنه لم يكن يتوقع أن تكون عمليات التهريب محكومة من قبل عصابات ومافيات كبيرة.

وأضاف "عبدالله" أن المهربين الكبار يحتكرون مناطق التهريب ولا يسمحون لغيرهم بالعمل ضمنها، رغم أن ذلك كان ممكنا قبل سنوات، قائلا إنه اكتشف خلال فترة وجوده بين المهربين أن من ينازع "الرأس الكبير" على عمليات التهريب يمكن أن يقتل، وانه كان شاهدا على اشتباك بين مجموعتين من المهربين بداية العام الماضي على احد طرق التهريب في دركوش، بسبب تعدي إحداها على طريق الآخر منوهاً إلى سقوط 3 قتلى من الطرفين.

بدوره قال عبدالله حسين (21 عاما) من ريف إدلب، إن تهريب الأشخاص إلى تركيا كان مسموحا للجميع، خاصة من أهالي المناطق الحدودية، مضيفا أن الأمر اختلف بعد فترة عندما بدأ المهربون الكبار يبسطون سلطتهم على هذه العمليات، وذلك عبر منع مئات المهربين الصغار من العمل بشكل مستقل، ليقوموا بعدها بضمهم تحت سلطتهم كأدلاء أو "دلّيلة" كما يسمون في المنطقة.

ويوضح "عبدالله" أن "الدليل" هو شخص يعمل لصالح مهرب آخر، وتتضمن مهامه استكشاف الطريق والدخول مع الأهالي إلى الأراضي التركية حتى إيصالهم للمهرب التركي، والذي يتقاضى بدوره مبلغ 100 دولار أمريكي عن كل شخص.

 

* "الدلّيلة" لا يبالون بموت المسافرين ويمنعون البحث عن الضائعين

يقول "عبدالله" إن "الدلّيلة" يسيؤون للمسافرين خلال الطريق، كما أنهم لا يهتمون إذا مات أحدهم او ضاع في الغابات أو أصيب خلال عبور الجبال، حتى أنهم لا يسمحون للناس بالبحث عن الضائعين، بحجة أن ذلك يؤخر عملية التهريب، مضيفا أن من يرفض ذلك يترك مكانه دون إعادة شيء مما دفعه إليه.

بدوره يقول سلطان المحمد (27 عاما) من الرقة، إنه كان شاهدا على وفاة شاب في الطريق بسبب رفض "الدليل" مساعدته، قائلا إن "الدليل" وعدهم في البداية أنهم لن يسيروا أكثر من ساعتين، إلا أنهم بعد أن أمضوا نحو خمس ساعات على الطريق، أغمي على شاب منهم يبلغ من العمر نحو 30 عاما، فحاولوا مساعدته بعد أن علموا أنه يعاني من مرض بالقلب، إلا أن "الدليل" أطلق النار عليهم لأنهم رفضوا تركه، حيث أصاب أحدهم بقدمه وأجبرهم على ترك المريض ومتابعة السير.

وأضاف سلطان أن عدد أفراد المجموعة كان يبلغ أكثر من 500 شخص، إلا أن "الدليلة" وحدهم المسلحون، كما أن المنطقة التي يسيرون فيها بعيدة عن كل شيء ولا أحد يعرف طريق المتابعة أو العودة سوى "الدليلة، لذلك فلا يمكن مخالفة أوامرهم في الطريق، مضيفا أن أشخاص عبروا ضمن مجموعة بعدهم أبلغوهم انهم وجدوا الشاب المريض ميتا، وأن "الدليلة" منعوهم من حمل جثته إلى المشفى.

ويؤكد حسان من ريف حلب الشمالي، أنه حاول العبور مرات كثيرة وفي كل مرة كانوا يفقدون عددا من النساء والاطفال في الغابات دون أن يكترث المهرب لأمرهم، ما يجبر أحد أقاربهم أن يبقى وحيدا للبحث عنهم بعد أن يتنازل لـ "الدليل" عما دفعه من نقود عنه وعن أفراد عائلته.

ويضيف حسان أن عملية التهريب تكون دائما خلال الليل، حيث يسير المسافرون بين الغابات، مع منعهم من تشغيل أي ضوء أثناء المسير، ما يسبب تعثر العشرات منهم بسبب وعورة الطريق وشدة الظلمة.

وقال غالبية الأشخاص الذين تحدثوا لـ NSO إن أكثر من يعاني خلال هذا الطريق هم الأطفال والنساء، مضيفين أن بعض النساء اللاتي يسافرن وحدهن قد يتعرضن للاستغلال والتحرش من قبل بعض "الدلّيلة"، إذ يطلب من إحداهن أن ترافقه بحجة استكشاف الطريق بين الأشجار، ليعودا بعد فترة قصيرة إلى مكان تجمع المسافرين.

 

*"الدلّيلة" يؤكدون لـ NSO إساءة بعضهم للنازحين ويبررون بعضها بضيق الوقت

التقى مراسل NSO بعض الأشخاص الذين يعملون كـ"دليلة" للحديث أكثر عن تفاصيل عملية التهريب، وما يرافقها من مخاطر وصعوبات حيث قال أولهم "أبو يزن" إن الطريق الذي يمرون فيه طويل وشاق، كما أن عدد المسافرين يكون كبيرا جدا، ما يزيد صعوبة ضبطهم.

ويضيف "أبو يزن" أنهم لا يستطيعون التوقف في الطريق لأي سبب، لأنهم إذا توقفوا مراعاة لكل مسافر فإن الطريق سيستغرق وقتا أطول، وإذا لم يتجاوزوا منطقة الحدود قبل بزوغ الفجر فإن حرس الحدود التركي (الجندرما) سيكتشفون أمرهم ويلقون القبض عليهم أو يطلقون النار نحوهم، ما يمكن أن يؤدي لمقتل بعضهم.

من جهته قال "أبو فصيح" وهو دليل آخر، إنه جاء من ريف حلب الشرقي بهدف دخول تركيا، وبعد أن حاول نحو 30 مرة دون أن ينجح، بات يعرف جميع الطرقات، فانضم إلى مجموعة تعمل بالتهريب وبدأ بالعمل معهم، مضيفا أن المسيطر على هذه العمليات هو شخص واحد، إلا أنه لم يعد يظهر أبدا منذ مدة طويلة، رافضا ذكر اسمه.

وعند سؤاله عن وجود ممارسات مسيئة بحق المسافرين، قال "أبو فصيح" إنهم لا يفعلون ذلك، وإنهم يبلغون الجميع عن وعورة الطريق وصعوبته قبل الانطلاق، كما أنهم يحذرون المرضى والمسنين من ذلك، مضيفا أن من يصر على العبور يتحمل مسؤولية نفسه، وفق تعبيره.

وحول استغلال الفتيات أو التحرش بهن، نفى "الدليلة" الذين التيقناهم ذلك، قائلين إنه إذا حدث فإنه سيكون تصرفا من عدد قليل من "الدليلة" فقط، ورفضوا الحديث أكثر حول هذا الموضوع.

 

* المسافرون يُستخدمون طعما للجندرما والمهرب يُقتل عند معرفته

بعد الرحلة الطويلة والمرهقة التي تستمر في بعض الأحيان أكثر من 12 ساعة، يصل المسافرون أخيرا إلى الحدود التركية بصحبة الدليل، لتبدأ آخر وأخطر مرحلة من رحلة التهريب.

وأجمع الشبان الذين التقينا بهم أن الخطة التي يتبعها "الدليلة" تعتمد أولا على تنويم الأطفال الصغار لمنعهم من البكاء عبر إعطائهم أدوية منومة، لا تتناسب مع أعمارهم في كثير من الحالات، حيث تم توثيق وفاة ثلاثة أطفال في محيط منطقة دركوش بريف إدلب، بسبب إعطائهم دواءً منوما بجرعة غير محسوبة.

ويضيف الشبان أن "الدليلة" يقسمون المسافرين إلى مجموعتين تمر إحداهما من أمام الجندرما التركية كطعم لإلهائهم ريثما تمر المجموعة الثانية برفقة الدليل، حيث يقول ابراهيم من ريف حلب أن أفراد المجموعة يمكن أن يتعرضوا لضرب مبرح من قبل حرس الحدود إذا كشف أمرهم بهدف إبلاغهم عن المهرب.

ويتابع إبراهيم، أنه في حال كشفت عناصر الجندرما المهرب تقوم بقتله غالبا، إلا أن المسافرين لا يجرؤون على إبلاغهم عنه، لأنه من يتحدث سيقتل حال إعادته إلى إدلب، مشيرا إلى أنه كان مضطرا لتحمل الضرب عدة مرات من قبل الجندرما، التي كانت تستخدم أحيانا حراب البنادق لضربهم، فيما يقول عبدالله محمود إنه كان شاهدا على قطع الجندرما أربعة أصابع لأحد المهربين.

ويتحدث المهربون أنفسهم عما يمكن أن تفعله الجندرما إذا أمسكتهم، حيث يقول المهرب أبو زين إن الجندرما ألقوا القبض على أحد زملائه ويدعى "عبّود" وهو من قرية رأس العين بريف حلب الجنوبي، فقتلوه وألقوا جثته في نهر العاصي أمام الجميع، مضيفاً أن عناصر "الجندرما" قتلوا أيضاً مهرباً آخر قرب منطقة معبر باب الهوى، وهو من منطقة جيكارة بريف إدلب. نافيا في الوقت نفسه قيام المهربين بقتل من يبلغ عنهم، مشيرا أنهم لا يعيدون إليه المبلغ الذي دفعه مسبقا وقد يجبرونه على دفع مبالغ إضافية أيضا.

وأضاف أبو زين أنه شهد مقتل دليل آخر برصاص حرس الحدود التركي، وجرى ذلك عندما حاول الدليل الهرب بعد أن طلب عناصر "الجندرما" من الناس التوقف دون حركة، ما دفعهم لإطلاق النار عليه وإصابته برصاصة في الرأس أدت لمقتله.

بدوره يقول المهرب أبو فصيح، أن حرس الحدود لديهم على ما يبدو أوامر بقتل المهربين مباشرة، حيث كثرت هذه الحوادث منذ أكثر من عام، قائلا إن أحد المهربين قتل جنديا تركيا بعد أن أطلق عناصر الجندرما النار على المسافرين وقتلوا ستة منهم، ليشتبكوا مع المهرب ويطلقوا النار عليه ما أدى لمقتله مع اثنين من المدنيين.

 

*الجندرما تقتل وتذل المدنيين، وعلى الحدود لا أحد يوَثّق

إطلاق النار من قبل حرس الحدود على الأشخاص الذين يحاولون دخول الأراضي التركية يوصف بأنه عشوائي بينما يقول البعض إنهم يطلقون النار مباشرة على المدنيين بهدف قتلهم، ويقول وائل من ريف إدلب إنه كان شاهدا على مقتل مدنيين برصاص الجندرما.

وتحدث وائل عن الحادثة قائلا إنهم حاولوا عبور الحدود التركية مطلع عام 2017 إلا أنهم لم يفلحوا بذلك، وأثناء عودتهم باتجاه منطقة دركوش فتح عناصر الجندرما النار باتجاههم ما أدى لمقتل طفلة تبلغ من العمر نحو شهرين، مضيفا أنه لا يستطيع أن ينسى صورة هذه الطفلة.

أما "الدليل" أبو زين فكان شاهدا على مقتل امرأة وابنتها على يد الجندرمة قرب جدار الفصل الحدودي أثناء إطلاقهم النار على الناس بشكل عشوائي، إضافة لمقتل أكثر من 7 اشخاص آخرين، في حادثة اطلاق نار مماثلة باتجاه الأهالي.

من جهته، قال "الدليل" ابو حمزة أن عناصر من "الجندرما" أقدموا على قنص امرأة على طريق درية في منطقة دركوش بداية شهر شباط من العام الجاري 2018، وقبل ذلك بشهر أيضاً قتلوا اثنين من المدنيين، واوضح أبو حمزة أن حوادث قتل المدنيين الذين يحاولون عبور الحدود باتجاه الأراضي التركية من ريف إدلب، تتم غالبا برصاص عناصر مخفر قربياص التركي المطل على دركوش وسلهب والدرية.

وفضلا عن حالات القتل على يد حرس الحدود التركي، هنالك حالات ضرب وطعن وتكسير كثيرة يتعرض لها من يتم القبض عليهم، حيث التقى مراسلنا مع أشخاص تعرضوا لعمليات طعن بالحراب وضرب بأدوات صلبة على الرأس، عدا عن الضرب بالأيدي، ويشير الشهود أن عمليات القتل والإيذاء من قبل الجندرما كثيرة جدا، إلا أنه لاتوجد إحصائيات دقيقة لعدد الضحايا، بسبب عدم إمكانية توثيق هذه الحالات خلال عملية التهريب عند الحدود.

وأشار أكثر من شخص أن عناصر حرس الحدود الأتراك يتعمدون في بعض الحالات إهانة المسافرين وإذلالهم بطرق مختلفة، إذ يقول سلطان المحمد إنه شاهد عناصر الجندرما وهم يحاولون إجبار نساء على خلع ثيابهن الداخلية كي يلبسوها للرجال، مضيفا أن الضابط المسؤول عنهم تدخل ومنعهم من ذلك.

وانتشرت صورة في وقت سابق على مواقع التواصل الاجتماعي لرجال عند الحدود يرتدون ثيابا داخلية نسائية، حيث يقول ابراهيم إنه كان موجودا عندما التقطت هذه الصورة، مضيفا أن الجندرما ألقت القبض عليهم أثناء محاولتهم دخول تركيا، وأجبرت عددا من الرجال على ارتداء هذه الملابس، إلا أنه نفى أن يكونوا قد أجبروا نساءً على خلعها في هذه المرة، مضيفا أن الثياب الداخلية كانت موجودة هناك مسبقاً، وأجبر الرجال على ارتدائها.

 

*"هيئة تحرير الشام" تأخذ جزءا من أرباح التهريب بدعوى تنظيم العملية

وفق ما قال معظم من التقينا معهم سواء من الأشخاص الذين حاولوا العبور مرارا، أو من بعض العاملين في مجال التهريب، فإنه خلافا لما يعتقده البعض حول كثرة المهربين الذين يمكن رؤيتهم في الشوارع والساحات والفنادق وقرب الحدود، إلا أن هؤلاء هم مجرد أشخاص وظيفتهم جمع الزبائن مقابل حصة من الأرباح، بينما يذهب الجزء الأكبر من المبلغ للمهربين الكبار، بعد اقتطاع مبالغ أخرى للمهربين الأتراك ولبعض الفصائل داخل سوريا، وأهمها "هيئة تحرير الشام"، أو ما باتت تعرف بـ "هيئة تحرير الشام".

ويقول أحمد (35 عاما) من ريف حلب الشمالي والذي حاول الدخول أكثر من مرة إلى تركيا، إنه لا يمكن أن يكون المهربون من المدنيين لأن الموضوع أكبر منهم وفق قوله، مضيفا أن معظم كبار قادة التهريب يتبعون بشكل أو بآخر لـ"هيئة تحرير الشام"، أو يتعاملون معها، لافتا أن بعض المهربين يتمتعون بهيبة كبيرة لدى عناصر "النصرة"، قائلا إنهم عندما كانوا يمرون على حاجز أو دورية تتبع لـ "الجبهة" يقول لهم المهرب أنه تابع لشخص معروف فيسمحون لهم بالمرور، رافضا في الوقت نفسه أن يذكر اسم هذا الشخص.

وأضاف أحمد أن "هيئة تحرير الشام" أحدثت مكتبا في بلدة دركوش لتنظيم عمليات التهريب، بحجة ضمان سلامة الناس، حيث يتقاضى هذا المكتب من المهرب مبلغ 100 دولار عن كل شخص يتم تهريبه، مضيفا أن معظم المهربين لا يكترثون لذلك المكتب، ولا يدفعون له شيئا.

ويقول المهرب أبو زين لـ NSO إن "هيئة تحرير الشام" وضعت حاجزا لضبط وتنظيم عمليات التهريب، على أن تأخذ من المهرب 100 دولار عن كل شخص مقابل ذلك، مضيفا أنه رغم ذلك إلا أن معظم المهربين لا يدفعون لهم شيئا، ويسلكون طرقا بعيدة عن الحاجز، ما يؤدي لإطالة الطريق نحو 5 ساعات.

ويقول أبو زين إنه لا يخفى على أحد من العاملين بالتهريب أن معظم المهربين يتعاملون مع "النصرة" أو على الأقل مع بعض أفرادها، مضيفا أن "الجبهة" تغرّم المهرب الذي تستطيع القبض عليه بمبلغ يصل إلى 10 آلاف دولار، أما إذا كان من معروفا من قبلها فتكتفي بتغريمه بـ 500 دولار فقط.

ويشير غالبية الأهالي والمسافرين أن عصابات التهريب لا تستطيع إتمام عملها بهذا الشكل دون أن تكون متعاملة أو متعاونة مع فصائل عسكرية كبيرة داخل سوريا، أو مع أشخاص من أصحاب السلطة في هذه الفصائل، إلا أن معظم المهربين حاولوا عدم ذكر تفاصيل كبيرة عن علاقة الفصائل بعصابات التهريب، إضافة لرفضهم ذكر أسماء للأشخاص المرتبطين بهذه العمليات.

وإضافة لما يتعرض له الناس من القتل على يد الجندرمة، فقد تعرضت مجموعة من المسافرين لإطلاق نار من قبل "هيئة تحرير الشام"، قتل على إثره عدد من الأشخاص لم يحدده الشاهد عددهم بسبب تزاحم الناس وكثرتهم، مضيفا أنه لم يعرف السبب الذي دفع "النصرة" لإطلاق النار بهذا الشكل.

مع اشتداد الحملات العسكرية التي تشنها قوات النظام على محافظة إدلب وازدياد أعداد المهجرين من مناطق أخرى باتجاه الشمال السوري، تزداد أعداد الراغبين أو المضطرين بدخول الأراض التركية هربا من القصف والحرب، أو بحثا عن فرص أفضل للعمل، دون توفر أي بديل لهم عن عصابات التهريب، ودون وجود بوادر لضبط هذه العمليات أو تسهيل دخول المدنيين، سواء من داخل سوريا أو من الحكومة التركية.

جدير بالذكر أننا حاولنا الحصول على إحصائية لعدد الضحايا الذين قتلوا على الحدود بين سوريا وتركيا، إلا أننا لم نتوصل إلى أية أرقام في هذا الصدد.

 

أثر طعنة بحربة بندقية من عناصر الجندرما التركية على جسد شاب كان يحاول العبور من سوريا باتجاه تركيا- حزيران 2017

 

نازحون ينتظرون في جبال دركوش قرب الحدود التركية السورية، وهي نقطة يتجمع فيها النازحون قبل انطلاقهم باتجاه الحدود - أيلول 2017

 

نازحون يتحركون في مناطق حدودية باتجاه الحدود التركية 

 

 

شاب ينتظر مع نازحين آخرين خلو الطريق من الجندرما التركية بعد تعرضه للضرب على أيديهم وإجباره على العودة إلى الأراضي السورية


فريق التحرير

من إعداد فريق تحرير NSO

شارك هذا المحتوى