NSO

فيديو: مهجرو حي القدم، كيف أمضوا رحلتهم إلى إدلب؟ ومن الذي منعهم من دخول مناطق "درع الفرات"

مخيم ساعد بريف إدلب

من الجنوب إلى الشمال، لا توحي هذه المسافة الطولية التي تصل بين الجهتين بالكثير من المتاعب، لكن يبدو أنها كانت مليئة بالمشقة على أهالي حي القدم الدمشقي الذين هجّرهم نظام الأسد إلى الشمال السوري، ووصلوا أخيراً إلى مخيمات حدودية مع تركيا في ريف إدلب.

بدأ المهجرون بالخروج من أحيائهم يوم الثلاثاء الماضي، ويبلغ عددهم قرابة 1500 شخص، معظمهم مدنيون، كانت وجهتهم الأولى قلعة المضيق بريف حماة، ومن بعدها نُقلوا إلى مخيمات بريف إدلب الشرقي وريف حلب الغربي، فيما اختار قرابة الـ 250 شخصاً منهم التوجه إلى مدينة الباب الخاضعة لسيطرة فصائل "درع الفرات" في ريف حلب الشرقي، ليتفاجؤوا هناك بقرار يقضي منعهم من الدخول، ويُضطروا للبقاء في العراء في بلدة أبو الزندين القريبة من الباب، والتي يسيطر عليها النظام.
 

قرار تركي بالمنع والحجة "داعش"!

في أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس، حاول مراسلو "NSO" التواصل مع عدد من مسؤولي المجالس المحلية والفصائل والجهات السياسية المعنية للوقوف على سبب منع مهجري القدم من دخول مناطق "درع الفرات"، لكن لم نحصل على إجابات قاطعة تشير إلى المسؤولين عن إغلاق الطريق في وجه أهالي حي القدم.

وقال رئيس المجلس المحلي، جمال عثمان، لـ"NSO" إنهم تفاجؤوا بوصول مهجري حي القدم إلى مشارف الباب دون أن يتواصل معهم أي طرف ويبلغهم بذلك، مضيفاً أنهم يسعون لإدخالهم بكافة الطرق.
ولم يردّ "العثمان" على استفسارات محرر "NSO" حول العمل الذي يقومون به لإدخالهم، والعوائق التي تمنع دخولهم، مكتفياً بالرد "لم يتواصل معنا أحد لاستقبالهم".

في هذه الأثناء، علم "NSO" من مصادر في الحكومة السورية المؤقتة والمجلس المحلي للباب وناشطين أن قرار المنع جاء من تركيا لحجج عديدة، أبرزها أن الأتراك متخوفون من وجود عناصر من تنظيم "داعش" بينهم.

ونقل مراسلنا عن مصدر في الحكومة السورية المؤقتة، فضل عدم الكشف عن هويته، أن مسؤولين من " الحكومة المؤقتة" تواصلوا مع المخابرات التركية ومع والي ولاية كلس ومع قيادات في الجيش التركي لكي يُسمح لقوافل المهجّرين بدخول منطقة الباب، إلا أن الرد كان بالرفض من جميع تلك الجهات، بذريعة التخوف من وجود عناصر تابعة لـ"داعش" بين المهجرين، وبحجة عدم وجود تنسيق مسبق مع الحكومة التركية، أو مع الفصائل التي تسيطر على منطقة الباب.

ولفت المصدر إلى أن النازحين طلبوا مسبقاً التوجه إلى مناطق سيطرة فصائل "درع الفرات" لأن بعضهم مطلوب أمنياً لـ"هيئة تحرير الشام"، لذا فضلوا عدم الذهاب إلى إدلب التي تسيطر "الهيئة" على مساحات واسعة منها.

وأخبر مصدرخاص مراسل "NSO" أن تركيا متخوفة من أن يكون المهجرون مرتبطين بالنظام أو بـ"داعش"، إضافة إلى أن المهجرين لم يتواصلوا مع المسؤولين الأتراك، لذلك منعت تركيا "الهلال الأحمر" من نقلهم من قرية "أبو الزندين" إلى الباب.

وعن الاتهامات التي تناقلها "ناشطون" والتي تفيد بأنّ المجلس المحلي في الباب وفصائل من الجيش الحر كانت رافضة دخولهم، أوضح المصدر بأن المجلس لم يبدِ أي اعتراض، بل جهّز مركزاً آنياً لاستقبالهم، مزوداً بأطباء وسلل إغاثية، وكان غاضباً لمنعهم من الدخول.

وبالإضافة إلى تلك الأسباب، قال أحد المهجرين لـ"NSO" إن الأتراك تذرعوا بوجود مجموعة من هيئة "تحرير الشام" (النصرة سابقاً) معهم، فأخبرهم المهجرون عن الضمانات التي يحتاجها الجانب التركي للسماح لهم بالمرور، سواء كانت قوائم الأسماء أو تسليم السلاح الذي يحمله مقاتلو الجيش الحر، لكنهم رفضوا.
 

قرار مقاتلة "داعش" قاد أهالي القدم إلى التهجير

يمثل حي القدم المدخل الجنوبي لمدينة دمشق، ويُعتبر صلة وصل بين أحياء في المدينة وبلدات في الريف الدمشقي، ويحده حي الحجر الأسود ومدينة داريا (كبرى مدن الغوطة الغربية)، إضافة لأحياء أخرى. ومع اندلاع الثورة السورية، كان لهذا الحي أهمية استراتيجية، لكنّه حوصر مع الغوطتين منذ عام 2012.

وتمكّن تنظيم "داعش" من السيطرة على حي الحجر الأسود وأجزاء أخرى من مخيم اليرموك في أواخر عام 2014، وكان هناك اشتباكات دورية بين التنظيم وبين الجيش الحر و"تحرير الشام"، ما جعل خريطة السيطرة في محيط العاصمة تتعقد أكثر فأكثر.

لكنّ سبب الاتهامات الرئيسية لأهالي الحي بالتبعية لـ"داعش"، بحسب أحد المهجرين، تنبع من حادثة جرت قبل التهجير بأسابيع قليلة، حيث طُلب من فصيل "مجاهدي الشام" (يقوده صالح زمّار) التابع لـ"جيش الإسلام" مقاتلة عناصر التنظيم في حي الحجر الأسود، فرفض الفصيل قتالهم، معللاً ذلك بأن النقطة الوحيدة التي يتمكنون فيها من إدخال المواد الغذائية والمحروقات يتم عبر تجار يأتون من مناطق "داعش" في الحجر الأسود، وإذا تمت مقاتلتهم فهذا يعني أن أكثر من 1000 مدني سيموتون جوعاً.

ونتيجة هذا الرفض، ودون إيضاح الملابسات وخيار الأهالي الوحيد بالبقاء، تحدث إعلامي يعمل مراسلاً لقناة "العربية"، ويُدعى يوسف البستاني، عن أنّ أهل هذه المنطقة ينتمون للتنظيم.
 

لا كرامة للناس في أوطانهم

يقول أحد المهجرين "إنهم تواصلوا مع قائد ألوية "الحمزات"، سيف أبو بكر، في مناطق "درع الفرات" قبل أن يتوجهوا إلى منطقة الباب، دون التنسيق مع الأتراك، ولدى منعهم من الجانب التركي، أجرى "أبو بكر" اجتماعاً مع الأتراك كانت نتيجته الرفض.

كذلك تواصل المهجرون مع قادة عدة فصائل، بينهم "السلطان مراد" لتسهيل إجراءات العبور، لكنّ هذه المحاولات باءت أيضاً بالفشل.
في هذه الأثناء، كان المهجرون يقيمون في الباصات لأكثر من 48 ساعة، دون أن يستطيعوا النزول من الباص لقضاء حاجاتهم، أو حتى تلبية حاجات الأطفال الرضع، بحسب ما قاله أحد المهجرين.

بعد فترة الانتظار الطويلة، نسّق الهلال الأحمر مع النظام للسماح لهم بالعودة إلى بلدة قلعة المضيق، وقبل الوصول إليها استقبلهم بعض أهالي السقيلبية بريف حماة (التي يسيطر عليها النظام) بالشتائم والإهانات، وقامت الفرقة الرابعة بمضايقتهم وتفتيشهم، ثم بصعوبة استطاعت الباصات إكمال الرحلة، وفق ما ذكره الأهالي.

تمكنوا أخيراً، ظهيرة يوم الخميس من الوصول إلى قلعة المضيق، وتوجهوا بعدها إلى مخيم "ساعد" في ريف إدلب الشرقي، بينما كان باقي المهجّرين قد توزعوا في مخيمات قرية ميزنار غرب حلب.

يقول أحد المهجرّين المسنين وهو جالس في خيمته البسيطة: "كان النظام على وشك قتلنا، لولا تواجد الهلال الأحمر معنا"، يقول هذا وكأنه مستغرب من النجاة بعد كل هذه المشقة.



جود الشمالي

مراسل NSO بريف حلب

شارك هذا المحتوى