NSO

تحصينات غير مسبوقة لـ"قسد" شرقي الفرات، ومحاولات لاستمالة أبناء العشائر في منبج

جرافات تابعة لقوات سوريا الديمقراطية "قسد" خلال عملها في تجهيز تحصينات جديدة للقوات قرب منطقة قرة قوزاق بريف حلب الشرقي

مع تغيّر ملامح خريطة توزع القوى المسيطرة في الشمال السوري، تواصل "قوات سوريا الديمقراطية" تعزيز دفاعاتها على ضفة نهر الفرات الشرقية بشكل غير مسبوق، تزامناً مع وصول دفعات جديدة من عناصر "وحدات حماية الشعب YPG" التابعة لـ"قسد"، قادمين من مناطق تل رفعت وريفها إلى منبج ومناطق شرقي الفرات، في ظل مخاوف من عملية عسكرية تركية محتملة ضد حزب الاتحاد الديمقراطي "PYD" وفصائله المسلحة في منبج.


أنفاق وتحصينات تحت الأرض، وتعزيزات غير مسبوقة

تتمثل التحصينات التي يعززها مسلحو "قوات سوريا الديمقراطية" بحفر شبكات أنفاق معقدة ومنتشرة تقريباً على طول الضفة الشرقية لنهر الفرات في المناطق التي يسيطر عليها مقاتلو "قسد"، بدءاً من قرية الشيوخ شمالاً، وانتهاء بقرية بجاق في ريف صرين جنوباً، لمسافة تتراوح بين 20 و 25 كيلومتر.

وقال مصدر عسكري في "قسد"، فضّل عدم الكشف عن اسمه، لـNSO إنّ مسلحي "قسد" يعملون على إنشاء مقار ونقاط حماية تحت الأرض تتوزع تقريباً في جميع المرتفعات على طول المناطق التي تسيطر عليها من الضفة الشرقية لنهر الفرات، وأوضح أن كل نقطة تحوي على ثلاث أو أربع غرف يتم إنشاؤها على عمق يتراوح بين ثلاثة وأربعة أمتار، ويتفرع من كل نقطة عشرة أنفاق على الأقل تصل النقطة المركزية بنقاط محصنة للمواجهة فوق الأرض على نفس المرتفع أو الجبل، ويبلغ طول كل نفق على الأقل 500 متر.

وحصل NSO على صور تظهر آليات تابعة لـ"قوات سوريا الديمقراطية" قرب قرية قرة قوزاق على الضفة الشرقية من نهر الفرات، تقوم بحفر تلك الأنفاق، التي سيتم بعد ذلك تمكينها بدعامات إسمنتية على شكل قناطر منعاً للانهيارات، كما تقوم تلك الآليات برفع السواتر الترابية لزيادة التحصين.

وأشار مراسل NSO إلى أن المنطقة التي تعزز فيها قسد نقاطها تحوي عددا من المعسكرات التابعة لها والتي تقيم فيها دورات لمقاتليها قبل تخريجهم من أبرزها معسكر قرية خروص الذي تقام فيه دورة قتالية في الوقت الحالي لنحو ٧٠٠ عنصر يفترض أن يتم تخريجهم خلال الأيام القليلة القادمة.

كما تحوي المنطقة معسكر قرية الديكان الذي يضم نحو 500 عنصر ومعسكر جبال البركل بريف مدينة عين العرب / كوباني وهو من أكبر معسكرات "قسد" في المنطقة ويبعد نحو 15 كم فقط عن جسر قرقوزاق الاستراتيجي، والذي يصل بين ضفتي نهر الفرات الشرقية والغربية، إذ يضم هذا المعسكر أيضا مئات العناصر، إلا أن أعدادهم غير معروفة بدقة بسبب عدم وجود طريق يمر بالقرب منه، حيث أقامت "قسد" طريقا خاصا يصل إليه لا يسمح للأهالي باستخدامه.

وأوضح المراسل أن مسلحي "قسد" يقيم دورات عادة لكل 700 عنصر ويخرجهم بعد ثلاثة أشهر، موضحا أن فرز العناصر قد يتم غالبا بعد الانتهاء من تجهيز النقاط والمراكز التي تنشئها "قسد" على طول خط الفرات، والتي تمتد من مدينة تل أبيض شمال الرقة وصولا إلى جسر قره قوزاق والمناطق الخاضعة لسيطرة "قسد" في ريف منبج من الجهتين الشمالية والجنوبية.

وقال مراسل NSO إن "قسد" ترسل تعزيزات بشكل متواصل خلال الفترة الأخيرة مضيفا أن الطريق المؤدي إلى هذه النقاط من المناطق الشرقية كان يشهد وصول مجموعة من السيارات من نوع "كيا وهونداي" أو سيارات "فان" من نوع "هوندا" إضافة لسيارات "بيك اب" عسكرية محملة بالعناصر والأسلحة.

وتتوجه التعزيزات التي ترسلها "قسد" إلى نقاط عدة، حيث توجه قسم منها إلى معسكر جبال البركل بهدف الخضوع لدورات عسكرية تتضمن دورة على الأسلحة الثقيلة للعناصر القدامى، ودورات باختصاصات أخرى لبقية العناصر، فيما توجه قسم آخر إلى ناحية الشيوخ التي تعتبر نقطة تماس مع فصائل "درع الفرات" شمال وشرق حلب، وهي منطقة سيطرت عليها "وحدات حماية الشعب YPG" التابعة لـ"قسد" في عام 2015 وجرفت منازلها وهجّرت أهلها، بينما توزع قسم آخر من القوات الوافدة على نقاط التماس شمال وغرب مدينة منبج، حيث يقدر عدد العناصر الذين وصلوا إلى المنطقة بأكثر من ألف عنصر.

وأشارت المصادر أن "قسد" لم ترسل تعزيزات إلى نقاط التماس مع قوات النظام جنوب منبج، التي يسيطر عليها فصيل "جند الحرمين" التابع لـ "قسد"، وهو على تفاهم مع قيادة "قسد"، يقضي بعدم محاربته لفصائل "الجيش الحر".

وأشارت مصادر من المنطقة لـ NSO أن قسما من القوات التابعة لـ "قسد" يتمركز في صوامع الحبوب القريبة من قرية صرين، والتي تعرف باسم "الشركة الإيرانية" نظرا لإنشائها من قبل إيران خلال فترات سيطرة النظام على المنطقة، حيث أنشأت قسد في هذه الصوامع مساكن ومهاجع للعناصر، إضافة إلى مكاتب للقيادة.

ويتسلم قيادة هذه الصوامع كل من "هفال دليل" وهو قيادي من جبال قنديل، بالتشارك مع "هفال بسي"، حيث يشرف هؤلاء القادة على عمليات الحفر وتعزيز النقاط بشكل شخصي، كما يتمركز قسم من القوات التابعة لـ "قسد" في منطقة الجلبية التي تقع على أوتوستراد صرين – تل أبيض وتبعد حوالي ٣٥كم عن جسر قرقوزاق.

تنتشر النقاط التي تقوم "قسد" بتعزيزها شرق نهر الفرات، كما تنتشر معسكراتها في مناطق قريبة، بينما تنتشر الحواجز بين مدينة منبج وجسر قرقوزاق وهو الوحيد الذي يصل المنطقة ببقية مناطق سلطات "الإدارة الذاتية"، ويرجحّ ناشطون من المنطقة أن هذه التعزيزات تمهّد لانسحاب محتمل لـ"قسد" من مناطق غربي الفرات، إلى المناطق الشرقية، خصوصا مع استمرار تصريحات القادة الأتراك حول نيتهم بدء عملية عسكرية تستهدف منبج، سواء غادرها مسلحو "قسد" أو لم يغادروها.


اجتماعات مع أمريكيين وعشائر عربية

كثرت الأخبار حول تسليم مدينة منبج للقوات التركية وفصائل "الجيش الحر" المتحالفة معها، خصوصا بعد السيطرة على مدينة عفرين واستمرار التصريحات التركية حول نيتها متابعة العمليات العسكرية في مناطق سيطرة مسلحي "قسد"، وأولها مدينة منبج.

وأفاد مصدر مطلع لـNSO بأن هذه التحصينات والتعزيزات تزامنت مع عقد اجتماع بين بعض أبناء العشائر المتعاملين مع "قسد" وعدد من قياديي الأخيرة، بهدف مناقشة احتمال العملية العسكرية التركية والإجراءات التي يمكن اتخاذها، كما أفادت المصادر أن ذلك تزامن مع وجود عسكريين أمريكيين في المدينة يحاولون تطمين الأهالي بعدم دخول الأتراك إلى منبج.

وحصل NSO على أسماء بعض أبناء العشائر الذين حضروا الاجتماع، وأبرزهم "عقيل البكوري" (وهو من الأشخاص الذين شاركوا في قمع المظاهرات التي كانت تخرج في المدينة بداية الثورة السورية)، إضافة لكل من أبو صلاح قويشي ومتعب الشلاش ومسلط الحفني وعليوي المصيطف، حيث طالبت سلطات "قسد" المجتمعين بحث الأهالي على التظاهر ضد التدخل التركي.

إضافة لذلك؛ فقد زار وفد أمريكي المركز الثقافي في مدينة منبج واجتمع مع بعض الشخصيات العربية المعروفة بقربها من حزب الاتحاد الديمقراطي "PYD" أو ولائها لها، حيث ناقش الطرفان نقاطا تتعلق بالأوضاع في مدينة منبج، فيما أفادت مصادر مقربة من المجتمعين أن اللقاء تضمن أيضا مناقشة إمكانية سحب القوات الكردية من مدينة منبج.

ومن أبرز الأشخاص الذين حضروا هذا الاجتماع كل من فاروق الماشي وهو أحد شيوخ عشيرة "البوبنا" التي تعتبر من أكبر عشائر منبج، و رئيس مكتب "التحالف الوطني الديمقراطي" إبراهيم القفطان، والذي رافق الوفد الأمريكي بعد الاجتماع ضمن جولة في شوارع المدينة للقاء المدنيين والحديث معهم، حيث تجولوا في شوارع السوق الرئيسي والسوق المغطى وشارع السندس.

كذلك زار الوفد الأمريكي "المجلس العسكري لمدينة منبج" حيث قال أعضاء الوفد إنهم لا يملكون أي معلومات حول البقاء أو الانسحاب من المنطقة، مضيفين أنهم ينفذون الأوامر التي تصلهم فقط، إلا أنهم لم يتلقوا شيئا حتى الآن.

وأشار أحد المصادر لـ NSO أن "قسد" تميل إلى تسليم المدينة لقوات النظام كما فعلت في حالات سابقة بمناطق أخرى، إلا أنها تحاول أن تحافظ على علاقتها مع الولايات المتحدة، على حد قوله. وتضم منطقة منبج والمناطق التابعة لها نقطتين عسكريتين أمريكيتين، أبرزهما هي مطار قرية السبت العسكري الذي تجمعت فيه القوات الأمريكية، ووضعت فيه عناصر وآليات لها، إضافة لنقطة أخرى في مدرسة بقرية جعدة صغيرة، وهي نقطة يتم فيها تدريب بعض العناصر على تفكيك الألغام، إذ تضم مسؤولين وعناصر من دول عدة ضمن التحالف الدولي، حيث قالت مصادر محلية لـ NSO إن قوات التحالف تضع حراسة مشددة حول هذه النقطة.

في أثناء ذلك نفت "قوات سوريا الديموقراطية" التي تسيطر على المدينة الأخبار التي تتحدث عن إمكانية تسليم منبج أو الانسحاب منها لصالح أي طرف، واعتبرت أنها مجرد إشاعات تهدف لإضعاف الروح المعنوية للأهالي، مؤكدة على بقائها في المدينة.


"قسد" تحاول استمالة أبناء العشائر في القرى التي هجّرتها

تزامن ذلك مع محاولات "قسد" الوصول إلى اتفاق مع أبناء القرى العربية الذين هجروا من قراهم بعد أن سيطرت عليها، وأبرزها قرى خروص وكيك داده وناحية الشيوخ التي سبق أن هجّرت "قسد" ساكنيها وهدمت عددا من منازلهم كما أقامت فيها معسكرات ومقرات عسكرية، حيث انضم غالبية أبناء هذه القرى لفصائل "درع الفرات".

وبدأت قسد مفاوضات مع أهالي بلدة الشيوخ عن طريق رئيس المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية في عين العرب أنور مسلم وبعض الشخصيات الكردية الاخرى مثل شيخ عشيرة كيتكان الكردية نجيب بصراوي، وهي من أكبر العشائر في عين العرب، إضافة إلى الرئيس المشترك للمجلس التشريعي في منبج فاروق الماشي وهو أحد شيوخ عشيرة البوبنا، بينما حضر عن أهالي بلدة الشيوخ عائلة النايف باعتبارهم يشكلون العائلة الأكبر في البلدة ومنهم حسين النايف الذي جرت المفاوضات في منزله الكائن في حي السرب بمدينة منبج.

واشترط ممثلو "قسد" خلال المفاوضات على الأهالي مقابل إعادة المهجرين إلى مناطقهم، نزع السلاح الفردي المتواجد معهم، وأن ينفصل أبناء تلك المناطق عن الفصائل المدعومة تركياً، سواء التي شاركت في عملية "درع الفرات" أو "غصن الزيتون".

و عرقل تلك المحاولات مؤخراً توتر نشب بين سلطات "قسد" في منبج، وبعض العشائر الموالية لنظام الأسد، حيث تحاول تلك العشائر بناء على تعليمات من نظام الأسد تنظيم وقفات ومظاهرات تطالب بخروج القوات الأمريكية من منبج، وقوبلت بعض تلك التحركات بردود عنيفة من التنظيمات المسلحة التابعة لـ"قسد" في المدينة، أدت إلى إصابة واعتقال بعض الشخصيات العشائرية الهامة في المدينة.


فريق التحرير

من إعداد فريق تحرير NSO

شارك هذا المحتوى