NSO

"بيّاعو الدواء" يصبحون "صيادلة" في إدلب، وجرائمهم لا رادع لها

عقاقير وأدوية تباع دون رخصة في محافظة إدلب عبر "بائعي الدواء"

كانت ذاهبة إلى إحدى الصيدليات في بلدة "حاس" بريف إدلب، في أحد أيام شهر شباط عام 2017، لصرف وصفة طبية من أجل عينها المصابة بالتحسس، وبعد شرائها الدواء واستعماله؛ تفاجأت "أم خالد" بتورّم عينها، حيث أعطاها "الصيدلي" مرهماً للالتهابات الجلدية بدلاً من الدواء المطلوب، ما أدى إلى نقلها إلى أحد الأطباء المختصين.

هذا مشهد واحد من بين عشرات المشاهد التي يتعرض لها الأهالي في محافظة إدلب نتيجة سوء وصف الأدوية، ففي ظل الفلتان الأمني والغياب الرقابي؛ افتتح عشرات المواطنين غير المؤهلين محال لبيع الدواء في مناطقهم، دون أن يكون لديهم أي خبرة سابقة بهذه المهنة، الأمر الذي أدى إلى وقوع ضحايا بسبب جهل البائع غالباً لنوع الدواء اللازم صرفه للمريض.

تقول "أم خالد" إن الدواء الذي أُعطي لها أدّى إلى فقدانها جزءاً من الرؤية في العين المصابة استمر لعدة أشهر، وبعد استخدامها عشرات الأدوية وزيارة الطبيب مرات عدة، استطاعت أن تستعيد جزءاً من بصرها في العين اليمنى.

"قدمنا شكوى ضد بائع الدواء الذي صرف الوصفة الطبية، لكنه برر موقفه بأنه أخطأ في اسم الدواء، وأنه مستعد لتحمل الأضرار المترتبة على هذا الأمر" تضيف "أم خالد" كمن أعيته الحيلة بعد فوات الأوان.


المخدرات تُباع علناً، ووعود بضبط المخالفين

لا يقتصر الأمر على "أم خالد" وحدها، ففي بلدة أرمناز جنوب إدلب تتواجد صيدلية كانت تبيع دواءً مخدراً للأهالي، ويديرها رجل كان يعمل سابقاً في شركة الكهرباء. أصبحت الصيدلية خلال فترة وجيزة مرتعاً للمدمنين، نتيجة إعطائهم حبوب "ترامادول" المخدر الذي لا يمكن صرفه إلا بوصفات طبية من قبل الأطباء.

في شهر أبريل عام 2017، كان الشاب "محمد الجميل" (29 عاماً) يذهب بشكل يومي إلى الصيدلية لشراء دواء مخدر، وبالطبع فإن البائع لم يمانع من تزويده بالدواء يومياً، وانتهى الأمر بالشاب بأن أصبح مدمناً على الأدوية المخدرة، فما كان من عائلته إلا أن وضعته في مركز حجز صحي حتى يتماثل للشفاء.

يقول "محمد الياسر"، أحد أقرباء الشاب، إن "محمد" أصيب بحادث سير مطلع عام 2017، ما أجبر الأطباء على إعطائه أدوية مخدرة لتخفيف الألم عنه، ولكن بعناية مركزة، وبعد فترة قصيرة أصبح يعاني من نوبات صرع يومية، كان يكسر أثاث المنزل حين ينقطع عنه الدواء، بينما أهله يمنعون عنه الأدوية المخدرة كي يتماثل للشفاء.

ويضيف الشاب "بأن الصيدلية التي تبيع الدواء كانت تزوده بأدوية مخدرة دون وصفة طبية، كي تكسب مزيداً من المال، وعندما تمنع عنه الدواء لعدم امتلاكه للمال؛ يتهجم محمد على الصيدلية أو يبيع شيئاً من منزله من أجل تأمين ثمن الدواء المخدر".

وعن الإجراءات التي اتخذوها ضد الصيدلية، يشير "محمد" بأنهم قدموا شكوى لوزارة الصحة التابعة لـ"حكومة الإنقاذ" المدعومة من "هيئة تحرير الشام"، حيث أجبرتها الأخيرة على الإقفال لعدة أيام، ولكنها فتحت أبوابها من جديد دون رقيب.

قادنا هذا إلى التواصل مع وزارة الصحة في "حكومة الإنقاذ" لمعرفة معطيات ما يجري، وكيف يتم التعامل معه، وقال الوزير "أحمد الجرك" إن قرابة 350 صيدلية مخالفة تنتشر في الشمال السوري، 100 منها أُغلق.

وأضاف "الجرك" أنّهم يعملون على ضبط عمل المخالفين أو ترخيص الصيدليات، مؤكداً التزامهم بالرد على الشكاوي التي ترد إلى الوزارة أو إحدى المديريات التابعة لها، وبعد أن يتأكدوا من صحة الشكوى؛ يوجهوا عقوبة مسلكية إلى المخالف كـ"الإنذار بالإغلاق" أو عقوبة جنائية قد تشمل السجن والغرامة المالية.

وعن الأدوية المخدرة؛ أشار "الجرك" بأن حملة مكافحتها ستبدأ بعد الانتهاء من ملف الصيدليات المخالفة، حتى يكون كل الصيادلة مسجلين أصولاً في نقابة الصيادلة ومديريات الصحة.

من جهته، قال مدير قسم الرقابة الدوائية في مديرية صحة إدلب التابعة للحكومة السورية المؤقتة، الدكتور علاء أحمدو، لـ"NSO" إن الصيدليات المخالفة تنتشر بهذه العشوائية لغياب السلطة المركزية والأجهزة التنفيذية المسؤولة عن المراقبة، بالإضافة لهجرة معظم أصحاب الاختصاص من الصيدليين.

ولفت "أحمدو" إلى أن لديهم قوائم بالصيدليات المخالفة في عموم محافظة إدلب، ويتعاونون مع المجالس المحلية والسلطات التنفيذية في المناطق للمساعدة في إغلاقها، منوهاً إلى أنهم نجحوا في بعض المناطق بينما واجهتهم صعوبات في مناطق أخرى.


مصادر الأدوية

أصبحت تجارة الأدوية ظاهرة رائجة في عموم المناطق التي تعرضت لقصف هدّم معامل الأدوية فيها، فامتهن عدد من التجار بيع الأدوية المسكنة والمخدرة، مستغلين عدم وجودة رقابة على أصناف الدواء التي تدخل الأسواق من حيث فعاليتها وجودتها.

وفي 14/9/2015 تهدم معمل الأدوية الوطنية في منطقة المنصورة بريف حلب الغربي، في قصف لقوات النظام، ما أدى إلى احتراق جميع الآلات والأدوية ودمار الأبنية الموجودة داخل المعمل، وتنوعت بعدها مصادر دخول الأدوية.

التقى مراسلنا بـ"أبو يامن"، وهو صاحب مستودع أدوية خاص في إدلب، والذي قال إنّ 70% من هذه الأدوية يأتي عن طريق المعامل الموجودة في مناطق سيطرة النظام، و 15% تأتي من المعامل التي أُحدثت في المناطق المحررة، لكنها غير مرخصة بشكل نظامي ولا تخضع لأي رقابة لغياب السلطة التنفيذية، و15% تكون تركية وتأتي مع حملات الإغاثة".

وأضاف "أبو يامن"، الذي يبيع الأدوية المخدرة، بأنّ ما لفته "هو انتشار مزارع سرية وبكثرة في منطقة الغاب بريف حماة ومناطق أخرى تزرع نبتة الخشخاش وهو النبات الأساسي الذي تستخرج منه مادة الكوكائين، ويتم بيعه عبر السوق السوداء".

من جهة أخرى، يشير تاجر دواء يُدعى "حازم السليمان" بأن هذه التجارة أصبحت أمراً رائجاً، إضافة إلى مهنة افتتاح الصيدليات، في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وخصوصاً الحبوب المسكنة والمخدرة والتي تُباع للمدنيين دون وجود رقابة على أصناف الدواء من حيث فعاليتها وجودتها.


ضحايا الأدوية دون منقذ

"محمد خير" صيدلي يحمل إجازة في الصيدلة منذ 30 عاماً، أعرب لـ"NSO" عن أسفه لما يحدث، حيث يلتجئ إليه على الدوام مصابون نتيجة الدواء غير المناسب الذي يُصرف لهم، ويحكي عن إحدى الحالات "كان هناك مريض بالنزف ناتج عن داء ويلسون، فصُرف له دواء يسمى "لمترجين"، بينما داء ويلسون لا يعالج إلا بالفيتامين K".

ويتحدث أيضاً عن أن أحد بائعي الدواء قام بصرف وصفة دوائية من طبيب داخلية، وكان الدواء عبارة عن مخفف للضغط؛ فاستبدله بائع الدواء بدواء هرمون نسائي، وحين اكتشف ذوو المريضة هذا الأمر بعد أيام، كانت صحة المريضة قد تدهورت.

ولم يسلم من تعاطي الأدوية المخدرة حتى الأطفال، ففي 19 من تشرين الأول العام الماضي؛ أعطي أطفال رضّع عقاقير منومة لضمان عدم إصدار أي صوت خلال قطع أهاليهم الطريق إلى تركيا بشكل غير شرعي، والذي من شأنه كشف حركتهم.

بعد ساعات قليلة، كان مشفى بلدة "دركوش" يستضيف جثة طفلين فاقدين الحركة تماماً، بينما ثلاثة أطفال آخرين كانوا مصابين باحتباس وضيق تنفس.

الأطفال ماتوا بجرعة منوم زائدة، والجهات الرقابية يبدو أنها كذلك.
 

سوريا ادلب صيادلة ادوية فاسدة فلتان رقابي ضحايا مخدرات حبوب مخدرة ادمان حكومة الانقاذ وزارة الصحة الحكومة المؤقتة الخشخاش سوق السوداء

الصور

Responsive image
Responsive image

جود الشمالي

مراسل NSO بريف حلب

شارك هذا المحتوى