NSO

دائرة الاحوال المدنية في مناطق "درع الفرات": تحديات وعقبات جمّة تواجه المسؤولين هناك

مبنى المجلس المحلي لمدينة الباب بريف حلب الشرقي

يعتزم المجلس المحلي لمدينة الباب بريف حلب الشرقي افتتاح دائرة أحوال مدنية، تقوم على إصدار بطاقات شخصية للقاطنين في المدينة وريفها، وتشمل البطاقات جميع المواطنين في مناطق سيطرة "درع الفرات".

وبحسب مسؤولين في المجلس؛ فإنّ شكل البطاقة سيكون مشابهاً للبطاقة التركية من حيث البصمة الإلكترونية، كما ستصدر البطاقة باللغتين العربية والإنكليزية.

ومن المنتظر أن تنطلق دائرة الأحوال المدنية في مدينة الباب مطلع الشهر القادم من هذا العام، ويقع على عاتقها إصدار بيانات كاملة لأكثر من 141068 نسمة في مدينة الباب، فضلاً عن الريف الذي لم ينته مكتب الإحصاء من معرفة العدد الحالي لسكان الريف.

ومن المتوقع ان تواجه دوائر الأحوال المدنية مشاكل مختلفة لعلّ أبرزها وأهمها تسجيل الأشخاص الذين لا يملكون أي إثبات لشخصيتهم مع عدم وجود قيود سابقة، إضافة لمعضلة تسجيل الأطفال مجهولي النسب كالأطفال "اللقطاء" أو أطفال عناصر "داعش" من أب أجنبي غير معروف الاسم والكنية، مراسل "NSO" هناك تتبع الأمر مع المسؤولين عن العمل، وحاول معرفة الهيكل التنظيمي لكل ما يتعلق بهذا الخصوص.


سجلات الباب الضائعة بين "داعش" و"نظام الأسد"..

لعل المشكلة الأكبر التي ستواجه دوائر الأحوال المدنية بشكل عام هي عدم تواجد القيود الأصلية للمدينة، وتضاربت المعلومات والتخمينات حول مصير السجلات والقيود القديمة، ففي حين تؤكد مصار لـ "NSO" وجود السجلات المدنية والعقارية لمدينة الباب بحوزة نظام الأسد؛ تنفي أخرى هذه المعلومة، وتؤكد أن السجلات وقعت بيد تنظيم "داعش" ومرت بعدة مراحل.

"أحمد حداد" موظف بلدية سابق في مدينة الباب أكد لـ "NSO" أن السجلات المدنية وقعت بيد تنظيم "داعش" عام 2013 فور سيطرته على المدينة.

وأضاف: "عندما سيطر تنظيم داعش على مبنى السراي الذي توجد به دائرة الأحوال المدنية، جمع الملفات الخاصة بالشؤون المدنية، وألقاها في مكب النفايات الفرعي للمدينة، لكنّ عدداً من الأهالي التقط قسماً كبيراً منها، فعاد عناصر التنظيم وصادروها من الأهالي واحتفظوا بها".

وأشار "حداد" إلى أنّ التنظيم قام بنقل الملفات إلى مدينة منبج، وفي العام 2016 أرسل "ديوان خدمات منبج" التابع للتنظيم رسالة إلى "ديوان الخدمات" في مدينة الباب، يفيد بوجود السجلات الخاصة بالباب في منبج.

وحول محاولة الحصول على السجلات من منبج؛ قال موظف في المجلس المحلي لمدينة الباب، فضل عدم ذكر اسمه، لـNSO "نظراً لأهمية السجلات حاولنا جاهدين الحصول عليها، فقبل 4 أشهر طلبنا من منظمة (روضة نور) مساعدتنا للحصول عليها، لكننا لم نحصل على رد من المنظمة".

وحاول مراسل NSO التواصل مع المنظمة المذكورة للوقوف على ما حدث؛ إلا أنه لم يتمكن من الحديث إلى المسؤول عن الموضوع في المنظمة "بلال عطار".

وحول إمكانية الحصول على نسخة لسجلات المدينة الموجودة لدى النظام بحلب، قال مصدر خاص لـ NSO إنه حاول "بمبادرة شخصية" التواصل مع شخص "وسيط" ليحضر له نسخة عن السجلات، فأخبره أنه لا يمكن الاستفادة منها بسبب ربطها ببرنامج خاص لا يمكن تشغيلها بدونه.

وتمكن موظفو بلدية الباب بعد دخول "داعش" المدينة عام 2013 من المحافظة على السجلات المالية وسجلات البلدية وإخفائها.


قاعدة بيانات جديدة

لم يتمكن المجلس المحلي لمدينة الباب من استعادة السجلات القديمة؛ فأحصى السكان الموجودين في المدينة وريفها، وأخذ بيانات كاملة لتأسيس دائرة الأحوال المدنية وما يتبعها من دوائر أخرى.

وحول عملية الإحصاء؛ قال "عمار خطيب"، رئيس دائرة الريف في مكتب الإحصاء، لـ NSO "بدأنا بعملية الإحصاء قبل ثلاثة أشهر، وسنبداً بالريف بعد الانتهاء من المدينة".

وأضاف "قسمنا المدينة إلى 10 قطاعات، وتم تعيين مختار لكل قطاع، وقام المكتب بترقيم الشوارع والأزقة وإحصاء العائلات الموجودة، سواء كانت من السكان الأصليين أو النازحين".

وعن الصعوبات التي واجهوها في عملية الإحصاء، قال خطيب : "إنها تمثلت برفض بعض الناس إعطاء ببياناتهم الشخصية لاعتقادهم بأنهم ستذهب إلى المنظمات الإغاثية، والتي ظنوا أنها لن تعود بالنفع عليهم".

وحول إنشاء دائرة الأحوال المدنية؛ قال القاضي في محكمة المدينة "علي سليمان" لـ NSO: إن إنشاء دائرة أحوال مدنية ليست بالأمر السهل، فهناك الكثير من المعوقات خاصة مع عدم وجود قيود قديمة".

وأردف قائلاً: لو أننا تمكنا من الحصول على القيود القديمة، خاصة قبل سبع سنوات، لسهل الموضوع كثيرا،ً إلا أن ذلك يبدو صعباً جداً، لذا سيحتاج الامر إلى وقت طويل قد يصل إلى سنتين لنتمكن من إنشاء دائرة سجل مدني مستقلة ودقيقة في بياناتها.


الخدمات الحالية

بعد سبع سنوات من الانقطاع عن دوائر السجل المدني لدى نظام الأسد لسكان المناطق الخارجة عن سيطرته، طرأت الكثير من التغيرات سواء من حيث عدد الولادات أو الوفيات، وضاعت الكثير من الأوراق الثبوتية، حتى لجأ الناس للتزوير لقضاء حاجاتهم، وتُعتبر منطقة "درع الفرات" أولى المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد التي تُحدث دائرة أحوال مدنية.

وقبل الشروع بإحداث هذه الدائرة يقدم مكتب الأحوال المدنية ـ حسب رئيسه ـ بطاقات تعريفية مؤقتة للذين لا يملكون أوراقاً ثبوتية خاصة من النازحين، وتُمنح هذه البطاقة بموجب تصديق المكتب بعد شهادة اثنين وتأكيد مختار الحي.

وأضاف: تقوم دائرة الأحوال الشخصية بإصدار بطاقات عائلية مؤقتة يُستفاد منها في الإغاثة، وبيانات قيد فردية للطلبة في المدارس، وسندات إقامة وتسجيل الولادات والوفيات بناء على الشهادات الواردة من المخاتير.

من جهة أخرى قال "عبد الرزاق عبد الرزاق" رئيس دائرة الأحوال المدنية إن الدائرة تقوم بأعمال "شاقة" كونها تتعامل بشكل مباشر مع الناس، وخاصة مع وجود الكثير من النازحين الفاقدين لكل أوراقهم الثبوتية.

وأضاف "نواجه صعوبات بالغة في قضية التحقق من شخصيات الناس الحقيقية، فلا يُستبعد أن يعطينا أحدهم بيانات وهمية" مشيراً إلى أن موظفي الدائرة يحاولون قدر المستطاع التثبت من المعلومات المعطاة لهم، لمنح الناس وثيقة تسهل عملية تنقلهم وعملهم في المنطقة.


700 ألف ليرة تركية فقط تكلفة مشروع البطاقات الشخصية

تتلقى مناطق جرابلس والباب واعزاز وقراها، أو ما باتت تعرف بمناطق "درع الفرات" دعماً تركياً على مستوى الخدمات حسب توزعها على الولايات التركية، حيث تتبع كل من جرابلس والباب وبزاعة وقباسين لولاية عينتاب، بينما تتبع اعزاز والراعي و صوران واخترين لولاية كيليس.

وحول إصدار البطاقات الشخصية والدور التركي في هذه العملية؛ قال رئيس المجلس المحلي لمدينة الباب "جمال عثمان" لـ NSO "كنا السباقين بطرح الفكرة على ولاية عينتاب لإصدار البطاقات الشخصية للقاطنين في المدينة سواء من أهالي الباب أو المقيمين فيها من المحافظات الأخرى".

وأضاف بأن الأتراك وافقوا على الفكرة فوراً لما لها من فائدة للمواطنين، حيث قُيمت تكلفة المشروع ـ700 ألف ليرة تركية، مستدركاً "البطاقات الشخصية سيتم إصدارها لجميع قاطني منطقة درع الفرات، لكن البداية ستكون من الباب".
آلية إصدار البطاقة وشكلها

بعد موافقة الجانب التركي متمثلاً بولاية عنتاب وتخصيص ميزانية تقدر بـ 700 ألف ليرة تركية للمشروع، هيأ المجلس المحلي لمدينة الباب المكان المناسب لدائرة الأحوال المدنية.

وأكد مدير مكتب مجلس الباب "عبدالحميد الظاهر" لـ "NSO" أن افتتاح دائرة الأحوال المدنية سيتم بداية الشهر الخامس، بعد الانتهاء من تجهيز المكان المخصص وانتهاء أعمال الإحصاء التي يجريها مكتب الإحصاء.

من جهة أخرى قال رئيس المجلس "جمال عثمان" إنهم جهزوا المكان من حيث تقسيم المكاتب وتوظيف مختصين، والحصول على معدات تقنية لازمة من طابعات وآلة تصوير وكومبيوترات وأجهزة لتنظيم العمل للتخفيف من الازدحام.

وعن شكل البطاقة الجديدة؛ تحدث "عثمان" بأنها تتألف من وجهين، أحدهما باللغة العربية والآخر بالإنكليزية وطباعة الاسم باللغة التركية، وتحتوي على رقم مؤلف من 11 خانة وهو الرقم الوطني، وستحمل صورة لعلم الثورة السورية.

ولفت "عثمان" إلى أن البطاقة ستصدر بتقنية عالية يصعب تزويرها، كما لا يمكن للشخص الذي حصل على بطاقة من مدينة الباب أن يحصل على أخرى من جرابلس بسبب الربط الذي سيحصل بين مناطق "درع الفرات"، ونوّه إلى أن الخطوة القريبة ستكون بإحداث سجل عقاري ودائرة مواصلات وإنشاء معمل لتعبئة أسطوانات الغاز بالتعاقد مع إحدى الشركات التركية.


بطاقة محلية الاعتراف .. وجواز السفر "حلم"

وحول ماهية الاعتراف بهذه البطاقة من الجانب التركي؛ قال "عثمان" لـ "NSO" إن القائمين على المشروع ناقشوا هذا الموضوع على مستويات عليا، وهنالك الكثير من الأمور سيتم النظر إليها بعين الاعتبار، سواء من حيث الاعتراف "المستقبلي" بالبطاقة أو من حيث إصدار دفتر عائلة وجواز سفر، وأشار "عثمان" إلى أن البطاقة سيتم الاعتراف بها في المشافي التركية، وقد تشمل دوائر أخرى "لم يسمّها".

في ذات السياق، قال "عبد الحميد الظاهر" مدير مكتب الأحوال المدنية لـ NSO: إن البطاقة معترف عليها ضمن منطقة درع الفرات، وحصول المواطن عليها لا تعني اعتراف تركيا بها أو التبعية لها، فضلاً عن عدم الاعتراف بها داخل تركيا.

وأشار إلى أنه من الممكن أن تعترف الحكومة التركية بهذه البطاقة مستقبلاً، لكنْ لا يوجد شيء رسمي حتى اللحظة.
وأضاف "في ظل هذه الظروف أصبح الإنسان عبارة عن مجموعة من الوثائق والبيانات والتي لا يستطيع التحرك بدونها، لذا بدأنا كخطوة أولى بإصدار البطاقة، ثم سنعمل في المستقبل على إصدار دفاتر العائلة".

ويرى الظاهر أن هذا المشروع يسير في الاتجاه الصحيح، وأن المجلس يسعى لإثبات قدرته على إدارة المنطقة، وسيشعر المواطن أثناء عملية التسجيل على البطاقة بأنه في بلد متحضر بعيداً عن أسلوب الطوابير، كما سيتم ربط السجل المدني بالمشافي وقيادة الشرطة مستقبلاً.


الأطفال مجهولو النسب .. معضلة تربك عمل المجلس

يوجد في المناطق المحررة عدد من الأطفال مجهولي النسب، وغالباً ما يكون هؤلاء من أبناء عناصر "داعش" من غير السوريين، الذين قتلوا أو هربوا من البلاد وتركوا أطفالاً خلفهم.

وحسب الوثيقة التي حصل عليها مراسل NSO من مكتب الإحصاء التابع للمجلس المحلي في مدينة الباب، فقد بلغ عدد الأطفال دون سن الثامنة عشر 32333 طفلاً، وبلغ عدد الأيتام 9685 طفلاً يتيماً. ولم تركز الإحصائية على الأطفال مجهولي النسب.

كما تشير الاحصائيات أيضاً إلى وجود 3991 امرأة بين أرملة ومطلقة، وبالمقارنة بين نسبة الأيتام والأرامل فإن نسبة الأطفال مجهولي النسب كبيرة.

وحول آلية تسجيل الأطفال مجهولي النسب، قال "الظاهر" رئيس مكتب الأحوال المدنية، لـ NSO "نحن أمام معضلة كبيرة ،وحتى الآن لا نعرف الآلية التي سنتعامل بها معهم، ففي مجتمعنا لا يمكن نسب الابن لأمه وفي الوقت ذاته لا يمكن تسجيل طفل لأب مجهول، فضلاً عن كونه غير سوري".

وتابع "الأطفال عموماً ليس لهم ذنب سواء كانوا من أبناء أشخاص كانوا ينتسبوه إلى تنظيم "داعش" أو من اللقطاء، إلا أننا سنسجلهم بموجب حق الإقليم الذي ولدوا فيه، أو حسب القوانين السارية.

من جهته قال "عبد الرزاق عبد الرزاق" رئيس دائرة الأحوال المدنية "بالنسبة لنا كدائرة سجل مدني لا يمكن أن نبت بكيفية تسجيل هؤلاء الأطفال "مجهولي النسب"، والأفضل إسناد هذه القضية للمحاكم الشرعية".


أبناء الآباء "المجهولين" على الهامش

وحول تسجيل الأطفال مجهولي النسب من الناحية القانونية قال القاضي علي سليمان لـ NSO "نواجه مشكلة كبيرة من مخلفات المرحلة الماضية، إذ أن هنالك عددا من نساء المنطقة تزوجن من مقاتلي "داعش" الأجانب، ووفقاً لعقد الزواج فإنه لا يعرف الاسم الحقيقي للزوج لأنهم كانوا يستخدمون الألقاب.

وأردف "لا نستطيع تسجيل الأطفال مجهولي النسب ونلحقهم بآباء لا نعرف عنهم سوى ألقابهم، وفي الوقت ذاته لا يمكن إلحاق الابن بأمه أو جده لأمه".

وتابع "من الممكن إلحاق الولد بأبيه في حال تمكنا من معرفة اسم الأب وجنسيته ومكان إقامته، سواء بالاتصال المباشر أو عن طريق الشهود، ومن ثبت أن والده متوفى ويعرف اسمه الحقيقي كاملا وجنسيته وبشهادة الشهود فإننا نقوم بتسجيله وإلحاقه بأبيه".

لكن حالة الطفل مجهول الأب لا تنطبق على الأطفال اللقطاء، فوفقاً للقاضي "سليمان"، اللقيط تقوم دائرة الأحوال المدنية باختيار اسم له، أما كنيته فتكون "ابن عبد الله"؛ فإذا أطلقوا عليه مثلاً اسم عمر يصبح اسمه الكامل "عمر ابن عبد الله"، أما في حال تم تبني هذا الطفل من قبل إحدى العائلات، فإن العائلة التي تتبناه لا يحق لها إعطاءه اسمها، وسيُعامل الطفل من حيث الأوراق الثبوتية مستقبلاً كأي شخص آخر.



إحصائية سكانية لمدينة الباب أجراها المجلس المحلي حتى تاريخ 15 شباط 2018

 

 

سوريا حلب تركيا درع الفرات مدينة الباب بطاقات شخصية داعش نظام الاسد نازحون منبج اوراق ثبوتية غازي عنتاب جوازات السفر اطفال مجهولو النسب ايتام ارامل

فريق التحرير

من إعداد فريق تحرير NSO

شارك هذا المحتوى