NSO

هكذا احتكرت "وتد" تجارة البترول في الشمال وباتت الذراع الاقتصادية الأقوى لـ"هيئة تحرير الشام"

صهاريج محملة بالوقود في ساحة معبر باب الهوى قادمةً من تركيا باتجاه الأراضي السورية

بدأت "هيئة تحرير الشام" منذ فرض سيطرتها على أجزاء واسعة من ريف إدلب وريف حلب الغربي إثر معارك مع "حركة أحرار الشام" الإسلامية في 22 أيار العام الماضي، بمحاولة توطيد سلطتها في المنطقة ومد نفوذها، ليشمل جميع المناحي العسكرية والإدارية والاقتصادية عبر تشكيل هيئات تابعة لها، رغم عدم إعلانها عن هذه التبعية بشكل صريح.

ومن أبرز الهيئات التي شكلتها "تحرير الشام" في الشمال السوري كانت "حكومة الإنقاذ"، التي تشكلت بعد اجتماع المؤتمر التأسيسي العام، والذي تم دعمه من قبل "تحرير الشام"، و"إدارة شؤون المهجّرين" التي تعنى بأمور النازحين والمخيمات، إضافة لشركة "وتد للمحروقات" والتي سيطرت على سوق المحروقات والغاز في الشمال السوري.

وقد واجه مراسلو "NSO" صعوبات في تحصيل معلومات تفصيلية عن آلية عمل "وتد" وكيفية إدارتها، وذلك بسبب تحفظ العاملين في الشركة على الإدلاء بأية معلومات قد تعرضهم للمساءلة أو الاعتقال أو أي نوع آخر من الأذى من المنظومة العسكرية التي تتبع لها الشركة.


نفط أوروبي في الشمال السوري

بدأت شركة "وتد" أعمالها منذ بداية العام الحالي 2018 كشركة "مستقلة" تختص بتجارة المحروقات واستيرادها من تركيا، حيث امتد نشاطها إلى المناطق الحدودية مع تركيا ومدن إدلب ومعرة مصرين وحارم إضافة لمناطق سيطرة "تحرير الشام" في ريف حلب الغربي.

وتقوم "وتد" باستيراد النفط الأوكراني عبر شركات نفط تركية عن طريق معبر باب الهوى الحدودي، حيث تشتري الشركات التركية النفط الأوكراني وتبيعه لـ "وتد"، التي تعتبر الشركة الوحيدة القادرة على استيراد النفط والغاز من تركيا بسبب منع "هيئة تحرير الشام" و"حكومة الإنقاذ" منح أذون لشركات أخرى لاستيرادهما، بينما خفضت الرسوم الجمركية على المازوت الذي تدخله "وتد" إلى 3 دولارات أمريكية للطن الواحد، حيث يحمل كل صهريج نحو 25 طنا من الوقود.

وقال أحد تجار النفط في المنطقة لـ NSO إن "تحرير الشام" ساهمت بداية العام الجاري في قيام شركة "وتد"، بهدف احتكار سوق المحروقات في الشمال السوري بعد أن تمكنت "الهيئة" من السيطرة على المعابر الحدودية مع تركيا والمعبر البري مع النظام في مورك، لتتحكم بشكل كامل بكل ما يدخل إلى المنطقة من محروقات.

وأضاف التاجر أن شركة "وتد" بدأت منذ 7 من شباط الفائت بإدخال مادة المازوت بشكل يومي من معبر باب الهوى إلى ريف إدلب، تزامنا مع إغلاق طريق عفرين بسبب انطلاق عملية "غصن الزيتون"، فيما بدأت منتصف شهر آذار بإدخال مادة الغاز، مع استمرار قوات النظام بمنع دخوله من معبر مورك شمال حماة.

من جهته، قال سائق أحد الصهاريج لـNSO إن شركة تركية (لم يسمّها لجهله بالاسم) تورد المحروقات إلى وتد عبر معبر باب الهوى بالمرور على الجمرك التركي، حيث تستلم الشركة الوقود من المعبر في صهاريج كبيرة، وينتقلون بعدها إلى الطرف الخاضع لسيطرة "الهيئة" في المعبر، حيث تتقاضى الأخيرة مبلغ 400$ مقابل تمرير كل صهريج.

ومع بدء "وتد" باستيراد النفط الأوروبي، افتتحت سوقاً للمحروقات شرقي مدينة سرمدا القريبة من معبر باب الهوى، يقوم على مساحة تقدر بنحو كيلو متر مربع واحد، حيث تتوجه إليه عشرات السيارات من عدة مناطق في أرياف إدلب وحماة وحلب بشكل يومي من أجل شراء المازوت والبنزين، ونقله إلى الأسواق في جميع المناطق، خصوصا مع عدم وجود مصدر آخر للمحروقات.

ووفق المعلومات التي حصل عليها NSO فإن شركة "وتد" تتألف من أربعة أقسام مرتبطة مع بعضها، يتكفل القسم الأول منها باستيراد المحروقات وبيعها، بينما يتكفل القسم الثاني بشراء النفط الخام وتكريره عبر المحطات التابعة للشركة في ريف إدلب، فيما يدير القسم الثالث مراكز الغاز التي تتوزع على ثلاثة مراكز في حلب وريف إدلب الجنوبي ومدينة إدلب وتعتبر مهمته الأساسية هي استقبال شحنات الغاز وتنظيمه وتوزيعه على المراكز، في حين يعتبر القسم الرابع مسؤولا عن سلسلة أسواق أنشأتها الشركة لضمان وصول المحروقات إلى عدة مناطق في الشمال السوري.

 

هكذا يدخل الغاز إلى مناطق سيطرة "الهيئة"

إضافة لاستيراد النفط، أدخلت شركة "وتد" كميات من الغاز المنزلي إلى الشمال السوري من معبر باب الهوى، في 18 آذار بعد انقطاع الغاز لأكثر من شهر إثر إيقاف قوات النظام إمداد المناطق المحررة بالغاز عبر معبر مورك شمال حماة، حيث تم تحديد سعر الجرة الواحدة بـ 6500 ليرة وتم تخفيضه مؤخراً إلى 5500 ليرة سوريا، بعد أن كانت تباع بنحو 16 ألفا قبل وجود "وتد"، وفق ما قال خالد أبو مالك لـNSO وهو أحد مالكي الصهاريج.

وأضاف "أبو مالك" أن أحد المسؤولين في شركة "وتد" أبلغهم بأن توزيع الغاز سيقتصر على مناطق سيطرة "تحرير الشام" في الشمال السوري لعدم قدرتهم على ضبط أسعاره في المناطق الخارجة عن سيطرتها، وذلك في ظل تصاعد وتيرة المواجهات بين "الهيئة" و"جبهة تحرير سوريا" هناك، حيث يعاني الأهالي في ريف إدلب الجنوبي ومنطقة سهل الغاب من ارتفاع حاد في أسعار الغاز إذ وصل سعر الاسطوانة الواحدة إلى 25 ألف ليرة سورية.

ووزعت الشركة أسطوانات الغاز على عناصر من "تحرير الشام" في عدد من المدن كإدلب وكفرنبل بينما يعاني آلاف المدنيين من انقطاع الغاز، إذ قال مصدر من بلدة ترمانين شمال إدلب إن الشركة أرسلت 17 اسطوانة غاز فقط إلى البلدة، رغم أن عدد الأسماء التي تم تسجيلها لدى المجلس المحلي للحصول على الغاز تجاوزت 3500 شخص.


"تحرير الشام" و"وتد" يحتكران تجارة المحروقات

مع بدء شركة "وتد" بإدخال المازوت والبنزين من تركيا، امتنعت الشركة عن بيعه للتجار بحجة أن الكميات الكبيرة مخصصة للعسكريين، وفق ما قال أحد تجار المازوت لـ NSO، مشيراً إلى أن الشركة كانت تبيع جزءا قليلا من المحروقات للمراكز والأسواق، فيما تبيع القسم الأكبر في السوق السوداء بأسعار مرتفعة.

وقال الناشط الميداني أيهم العبد الله لـ NSO إن شركة "وتد" قامت بضخ كميات قليلة من المازوت لمحطات الوقود في ريف إدلب، حيث سمحت بتعبئة 15 لتراً فقط لكل سيارة بينما ضخت كميات كبيرة في السوق السوداء بسعر وصل إلى 700 ليرة سورية أي ما يعادل تقريباً 1.60 دولار مما حقق للشركة أرباحا كبيرة في ظل انقطاعه.

وأشار ناشطون من المنطقة أن "هيئة تحرير الشام" و"حكومة الإنقاذ" منعتا شركات المحروقات الأخرى من الحصول على تراخيص منعا من منافسة "وتد" بهدف استمرارها في التحكم بسوق النفط.

وتسبب احتكار سوق المحروقات من قبل وتد وتحكمها بالأسعار أزمة كبيرة في الشمال السوري لا سيما في محافظة إدلب، حيث كان سعر ليتر المازوت في كانون الثاني من العام الجاري نحو 200 ليرة سورية بينما شهدت الأسواق منذ شهر شباط ارتفاعا واضحا في الأسعار ليصل سعر الليتر الواحد إلى 700 ليرة سورية قبل أن ينخفض أخيرا بعد فتح طريق عفرين إلى ما بين 350 و 375 ليرة سورية اي ما يعادل تقريباً 0.80 دولار.

الارتفاع الكبير في أسعار المازوت قبل فتح طريق عفرين، انعكس سلباً على حياة المدنيين وأعمالهم والتي تعتمد بشكل أساسي على المحروقات، إضافة لتأثر المرافق المدنية من مشاف وأفران ومعامل حيث أعلن فرن الخبز في بلدة حاس توقفه عن العمل بسبب ارتفاع سعر المازوت، فيما توقف عدد من معامل البلوك والبلاط في بلدتي حاس وكفرومة عن العمل، ما أدى أيضا لفقدان العمال عملهم.

ويقول أحد موزعي مادة المازوت لمراسل NSO إنه بعد فتح طريق عفرين، وبدء دخول سيارات المحروقات من مدينة اعزاز، فقدت شركة "وتد" سيطرتها على السوق، وباتت أسعارها أغلى من سعر المازوت القادم من اعزاز، حيث كانت تبيع برميل المازوت بـ 71500 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل 160 دولار أمريكي، بينما يباع في الأسواق بـ 56 ألفا، إلا أن "وتد" بقيت مسيطرة على مادة البنزين دون منافسة بسبب منع النظام دخول البنزين من معبر مورك.

ومع فقدان وتد احتكار تجارة المازوت، بدأت بالامتناع عن بيع البنزين للتجار إلا وفق شروطها، حيث فرضت على كل تاجر يرغب بالحصول على البنزين أن يشتري برميلي مازوت منها وفق أسعارها مقابل كل برميل من البنزين يحصل عليه، من أجل تصريف كميات المازوت بسعر مرتفع.

 

"وتد" و"حكومة الإنقاذ" و"تحرير الشام": ارتباط وثيق رغم نفيه الدائم

رغم عدم اعتراف شركة وتد بشكل علني عن تبعيتها لـ "هيئة تحرير الشام" أو لـ "حكومة الإنقاذ" التي لم تعلن أيضا أنها تتبع لـ "الهيئة" إلا أن تجار المحروقات والأهالي والناشطون أكدوا لـ NSO أن هذه الكيانات الثلاثة تعمل معا بشكل واضح.

ويقول أحد التجار لـ NSO إن شركة "وتد" ترتبط مع "هيئة تحرير الشام" بشكل أو بآخر، سواء كان ذلك علنا أو خفية، موضحا أن جميع المؤسسات أو الشركات التي تعمل في مناطق سيطرة المعارضة شمالي سوريا، لا يمكنها التحرك ما لم تدفع ضرائب لـ "الهيئة" أو أن تكون تابعة لأشخاص يعملون معها ويؤمنون لها الحماية.

أما بما يخص حكومة الإنقاذ، فقد قال الناشط الميداني أيهم العبد الله لـ NSO إن المسؤول الإعلامي لشركة "وتد" يطلب من أي إعلامي يريد أن ينجز تقريراً عن عمل الشركة أن يكتب ورقة يتعهد فيها بإضافة عبارة يشكر فيها حكومة الإنقاذ لتسهيلها عمل الشركة وإدخال الوقود من معبر باب الهوى بضرائب رمزية على حد تعبيره.

 


فريق التحرير

من إعداد فريق تحرير NSO

شارك هذا المحتوى