NSO

تزوير الشهادات في الشمال، سوق رائجة ورقابة ضعيفة، وزبائن لا يبالون بمصائر ضحاياهم

شهادتا تخرج مزوّرتان من كليتي الصيدلة في اللاذقية ودمشق

مع انطلاق مشاريع تأهيل المؤسسات الخدمية المتضررة من القصف والمواجهات المسلحة، وتأسيس مؤسسات جديدة في المناطق التي سيطرت عليها فصائل المعارضة السورية المدعومة من تركيا، طفت على السطح الحاجة الملحة إلى الخبرات الأكاديمية التي من شأنها النهوض بتلك المؤسسات وإدارتها.

ومع بداية تلك الفترة قبل أكثر من عام، عانت تلك المناطق من ندرة الخبرات الأكاديمية في الاختصاصات الطبية والهندسية على وجه الخصوص، فوجد أصحاب الشهادات المزورة موطئ قدم لهم في تلك المؤسسات، في ظل ضعف الرقابة وصعوبة التأكد من مصداقية الوثائق والشهادات التي يتقدم بها هؤلاء لشغر بعض الوظائف أو لممارسة بعض المهن.

ولكن بعد استقرار الاوضاع وبدء تلك المؤسسات بممارسة أعمالها وزيادة المتقدمين للوظائف، بدأ مديرو الدوائر بالتقصي والبحث خلف مصادر الشهادات التي تقدم بها مئات الموظفين، ليتم اكتشاف أعداد هائلة من الشهادات المزورة بعد فحصها والتأكد منها، وكان من بين هذه الوثائق شهادات في الطب والصيدلة والتمريض، ولكن على عكس المتوقع، لايتراجع الكثير من أصحاب الشهادات المزورة عن خطئهم، بل يتعرض بعض الموظفين الذين كشفوا عمليات التزوير للتهديد بالقتل والإيذاء الجسدي من طرف المزورين.

مراسل NSO في ريف حلب الشمالي رصد هذه الظاهرة في مدينة الباب بريف حلب الشرقي، والتقى ببعض المعنيين وأصحاب التجارب المتعلقة بعمليات تزوير الشهادات.


*كشف 40 شهادة طبية مزورة فقط في مدينة الباب

بعد استقرار أوضاع مدينة الباب وإنشاء المكتب الطبي، لاحظ المختصون في المكتب الطبي حدوث أخطاء من بعض "الأطباء"، وبعض تلك الأخطاء كان من المفترض عدم صدورها من أطباء أو صيادلة متمرسين، كوصف أدوية خاطئة أو تشخيص خاطئ للحالات المرضية،ة ما دعا المكتب الطبي للتقصي عن طبيعة الأشخاص وشهاداتهم.

وقد أنشئ المكتب الطبي بعد تحرير مدينة الباب من قبضة داعش والذي يراقب العمل الطبي في المدينة سواء على مستوى المشافي أو الصيدليات وحتى العاملين في هذا المجال، ويوجد في مدينة الباب ثلاث مشافي مدعومة ماديا من قبل الحكومة التركية، كما تم إنشاء مشفى جديد ذو سعة استيعابية عالية سيخفف كثيراً من الضغط الحاصل على المشافي الأخرى.

وحول الشهادات التي تم كشفها قال الموظف في المكتب الطبي عبدالله الراغب لـ NSO : تمكنا من اكتشاف 40 شهادة مزورة حتى الآن بين طبيب وصيدلي وممرض وفني وقابلة، تم كشفها خلال الأشهر الماضية"، وأوضح الراغب أنه دائماً ما يكون لدى المزور نقطة ضعف أو ثغرة في التزوير، سواء الختم أو اسم المعهد أو الجامعة أو التسلسل الدراسي أو حتى التسلسل الزمني غير المنطقي".

وأردف الراغب: "ثمة شهادات أيضاً تخضع للتزوير بطريقة خادعة تكون قريبة ومشابهة تماماً للنسخ الأصلية،وهذا ما يدفعنا إلى اختبار أصحاب الشهادات المشكوك في صحتها عملياً وإخضاعهم لفحوص من قبل لجان طبية متخصصة، وأيضاً عن طريق التقصي عن الشخص من خلال سؤال خريجين من نفس الدفعة مثلاً وقد ساعدتنا هذه الطريقة في اكتشاف بعض الشهادات المزورة".

ويروي الدكتور أحمد عابو رئيس المكتب الطبي في المجلس المحلي لمدينة الباب لـ NSO قصة اكتشاف شهادة مزورة لشخص ادعى أنه طبيب جراحة تجميلية، قائلاً: قام شخص - فضل الدكتور عابو عدم ذكر اسمه - بتقديم شهادة مزورة للجهة المسؤولة عن تعيين الأطباء في مشفى الحكمة في مدينة الباب على أنه طبيب جراحة تجميلية، وتم تعيينه في المشفى، علماً أنه لا يحمل شهادة في الطب. بل تقدم بأوراق مزورة.

وأوضح الدكتور عابو أن كادر المشفى لاحظ ارتكاب الشخص صاحب الشهادة المزورة لأخطاء طبية غير معتادة من الأطباء، مثل صرف أنواع معينة لا تتناسب مع حالة المريض أو وصف كميات كبيرة من أنواع أدوية معينة قد تؤذي المريض، وأضاف: قامت شقيقة الشخص صاحب الشهادة المزورة بتبليغ المكتب الطبي أن أخوها الذي يدعي حمل شهادة في الجراحة التجميلية قام بتزويرها، ليُكتشف أمره، ويفر إلى تركيا بعد ذلك.


*أخطاء طبية قد تكون قاتلة

يقول مصدر طبي في مدينة الباب لـ NSO إن أحد مزوري شهادات الطب صرف دواء لمريضة حامل أدى إلى إجهاضها، وأضاف: مزور آخر لشهادة طبية اختصاص "جراحة تجميلية" قام بإجراء عملية أزالة كتلة لإحدى المريضات كاد يتسبب بقتلها لها لولا تدارك أحد الأطباء الأمر ومنعه من إكمال العملية".

وأضاف أن مزوّر آخر وصف خمسة أصناف من المضادات الحيوية لطفل دون العاشرة، وفي ذات السياق قال ممرض رفض الكشف عن اسمه أن والد أحد مدعي مهنة الطب، قام بتبليغ الجهات المعنية بأن ولده قد زوّر شهادة طبية، ومارس مهنة الطب لفترة استمرت نحو 6 أشهر في إحدى القرى القريبة من مدينة الباب، ليهرب إلى تركيا فورعلمه باكتشاف أمره.

وقال الدكتور محمود حاج محمد وهو اختصاصي بالأمراض النسائية لـNSO: إن تزوير الشهادة هو بمثابة السرقة، لأن المزور يسرق مكان غيره، ويزداد الأمر خطورة عند تزوير الشهادات الطبية."

وروى الدكتور حاج محمد ما عايشه مع بعض الاشخاص من مدعي مهنة الطب قائلاً: أعرف شخصاً يدعي أنه طبيب، قام بوصف دواء خطير لطفل، لكن لحسن الحظ تمكنا من اكتشاف الأمر قبل تفاقم حالة الطفل." واضاف الطبيب حاج محمد أن شخصاً يدعي أنه طبيب جراحة تجميلية، يتهرب باستمرار من بعض الحالات التي تستوجب عمليات جراحية معقدة."
وتابع الحاج محمد: "أستقبل باستمرار حالات مرضية تم تشخيصها بشكل خاطئ، وتأتي معظمها من مناطق ريفية، وقد يخلف ذلك وصف أدوية خاطئة، وبالتالي حدوث مضاعفات غير محسوبة وغير مبررة."


*رخصة مزاولة المهنة

بعد اكتشاف الكثير من الشهادات المزورة لجأ المكتب الطبي إلى منع أصحاب الشهادات الطبية من مزاولة مهنهم إلا بعد الحصول على رخصة من المكتب الطبي تخوله ذلك،وتتيح هذه الرخصة للمكتب الطبي في المجلس المحلي التأكد من صحة الشهادة المقدمة سواء الأطباء او الصيادلة وغيرهم من العاملين في المجال الطبي.

وقال الدكتور أحمد عابو رئيس المكتب الطبي لـ NSO: ألزمنا جميع أصحاب الشهادات الطبية بضرورة الحصول على ترخيص لمزاولة المهنة من قبل المكتب الطبي وذلك للحد من انتشار الشهادات المزورة ولمعرفة العاملين بشهادات علمية من الذين يعتمدون على الخبرات السابقة كمهنتي الصيدلة والتمريض"، ولفت الدكتور عابو إلى وجود بعض المتقدمين بشهادات أوكرانية وروسية التي يصعب التأكد منها. مؤكدا على استحالة الوثوق بأي نوع من هذه الشهادات.


*تزوير الشهادات التعليمية

لم يقتصر تقديم الشهادات المزورة على الجانب الطبي، فقد دخلت الدوائر التعليمية الكثير من الشهادات المزورة، وعمل الكثير من أصحابها في مجال التدريس أو الإدارة في المدارس والمؤسسات التعليمية.

وقال معاون مدير التربية في مدينة الباب لـ NSO: "بعد إنشاء مديرية التربية في مدينة الباب، اكتشفنا أأكثر من 25 شهادة مزورة، تقدم بها أشخاص تم توظيفهم على أساسها في مؤسسات تعليمية تابعة للمديرية"، وأضاف: "لازلنا نكتشف بين فترة وأخرى شهادات مزورة، خاصة بعد الاختبارات التي نجريها لمدعي حملة شهادات جامعية، الذين يفشلون في أول امتحان تعيين تجريه المديرية."

وذكر كزكاز أن المديرية كشفوا في مدرسة واحدة سبع شهادات مزورة، وعند تسليم الرواتب لأصحاب الشهادات المزورة، عرضوا عليهم أما أن يستقيلوا أو يتم تحويلهم إلى القضاء، وبالفعل اعترفوا بالتزوير وانسحبوا من السلك التعليمي، ولفت أن عدد الشهادات المزورة التي تم اكتشافها حتى الآن تجاوز 44 شهادة".

وشدد كزكاز على سعي المديرية الدائم إلى الحد من دخول المزورين للسلك التعليمي قائلاً: عند الإعلان عن أي شاغر يتقدم مئات الشباب لشغله، لذا نقوم بإجراء اختبار كتابي لجميع المتقدمين وعلى أساسه يتم اختيار الأكفأ، وفي المسابقة الأخيرة لتعيين معلمين في مدارس مدينة الباب تقدم 750 معلما اخترنا منهم 120 شخصا فقط.


*تهديد بالقتل لمن يحاول كشف التزوير

اختلفت الاجراءات التي اتخذها "الأطباء المزورون" بعد اكتشاف أمرهم، فمنهم من ترك المهنة ومنهم من غادر المدينة وآخرون ظلوا مصرين على صحة ما يفعلون، ومتمسكين بشهاداتهم المزورة أمام القضاء حتى بعد احتجازهم."

وكردة فعل على كشف الشهادات المزورة لجأ أحد المزورين إلى محاولة إيذاء الموظفين الذين قاموا بكشفه، وذلك بدس الحشيش في سياراتهم والتبليغ عنهم، واتهام البعض بأنهم يتبعون لداعش مطالبا بسجنهم ومصادرة أملاكهم، فضلا عن تهديده إياهم بالقتل.

رفض الأطباء والموظفون الذين تم تهديدهم الحديث عن التهديدات التي تعرضوا لها، إلا أن مقربين من بعض هؤلاء الضحايا قالوا لـ NSO: توجد الكثير من الدلائل على تورط المزورين بتهديد الموظفين بالقتل، لكن تم تقديمها إلى القضاء في مدينة الباب، ومن بين تلك الدلائل لتسجيلات الصوتية أرسلها المزور لمن كشفوه، ويقبع بعض هؤلاء المزورين حالياً في الاحتجاز رهن التحقيق.

وأضاف المصدر أن أحد الموظفين الذين اكتشفوا أمر بعض المزورين، كاد يتعرض لمحاولة اغتيال، بعد أن كلف غريمه شخصاً بزرع عبوة ناسفة تحت سيارته، إلا أن هذا الشخص الذي كان من المفترض أن يزرع العبوة، قام بالتواصل مع الموظف وأبلغه بنوايا الشخص المزوّر، ليتم القبض عليه لاحقاً."


*القانون والتزوير

انتشرت مكاتب التزوير في مناطق عدة إلا أن الأكثرية تقريباً تركزت في مدينة اعزاز، حيث قامت الجهات المعنية مؤخراً بإغلاق ما ظهر من تلك المكاتب، وهمّت بمحاسبة المزورين الذين تم اكتشافهم.

وعن انتشار المزورين في مدينة اعزاز قال الدكتور مؤيد قبطور رئيس المكتب الطبي في المدينة لـ NSO:"لم يكن انتشار مكاتب التزوير محصورا في مدينة عزاز، إلا أن موقع المدينة الحدودي ولجوء الكثير من الناس إليها جعلها مركزا يتجمع فيها المزورين".، وأضاف: تحاول الجهات المختصة القضاء على هذه الظاهرة التي أثرت بشكل كبير على كثير من المناطق وبمختلف النواحي الحياتية.

وختم: ليست الخطورة فقط في تزوير الشهادات الطبية والتي كشفنا في مدينة اعزاز عددا منها، بل تشمل جميع الاختصاصات سواء الطبية والتعليمية والهندسية وغيرها.

ومن جهته قال المحامي "محمد فارس" مدير المكتب القانوني في المجلس المحلي لمدينة الباب لـ NSO:"يعتبر التزوير من الناحية القانونية والأخلاقية جريمة كبيرة إلا أن تزوير شهادات الطب والصيدلة من أكثرها اجراماً بسبب تعلقها بحياة الناس، وليس أقل منها تزوير شهادات في مجال التعليم لما له من أثر على تربية وتعليم الأبناء."

وأضاف: دور المكتب القانوني هو استلام أي قضية تتعلق بالتزوير والتأكد من أن الشهادة مزورة، بعدها يتم تحويلها للقضاء بعد رفع دعوى تزوير.

وأردف قائلاً: "عرضت الحكومة المؤقتة مؤخراً على المجالس المحلية رفع الشهادات إليها للتأكد من صحتها عن طريق منظمات أممية، أو عن طريق مراسلة الجامعة التي صدرت عنها الشهادة، إلا أننا لم نقم حتى اللحظة بإرسالها لعدم حاجتنا لذلك في الوقت الحالي."


*التزوير لا زال قائما وبشكل علني

على الرغم من الإجراءات التي اتخذتها السلطات المعنية للحد من التزوير في المناطق التي ينتشر فيها، إلا أن هذه العملية ما تزال قائمة، وما يزال المزورون يجدون زبائن لهم، ولم يكف هؤلاء الزبائن عن شغل وظائف جديدة، أو ممارسة مهن ليست مهنهم، بناء على تلك الشهادات التي يحصلون علليها من المزورين.

وفي هذا السياق، قال مزور رفض الكشف عن اسمه لـ NSO : لا زال التزوير قائما وبشكل علني في مدينة عزاز، ويعمل في هذا المجال الكثير من المزورين، لقد ساهم الاستقرار الأمني في مدينة اعزاز في ازدهار التزوير وجعل المدينة مركزاً له."
وأوضح المزوّر أنه يعتمد فيه عمله على تزوير أختام المؤسسات الرسمية التابعة لنظام الأسد، أولا ثم محاولة شراء الأوراق الرسمية الأصلية فارغة من مناطق سيطرة النظام، ومن ومؤسساته وملئها بالمعلومات المطلوبة من قبل المزور باستخدام الطابعات العادية."

وقال المزور "إن أجور عمليات تزوير الشهادات الجامعية تتراوح بين 150 و 400 دولار أمريكي، ولا توجد أي شهادة جامعية غير قابلة للتزوير حسب تعبيره.

 

 

صورة لتعهد خطي من شخص أقدم على تزوير شهادة طبية بعدم مزاولة مهنة الطب مرة أخرى في مدينة الباب بعد اكتشاف أمره

 

كتاب من المكتب الطبي في مدينة الباب يبلغ فيه المكتب القانوني بمنع شخص من العمل كـ"طبيب" بعد ثبوت تزويره لشهادة

 

 

شهادة مزورة ومقدمة على أنها صادرة عن كلية الصيدلة في جامعة تشرين في اللاذقية

 

شهادة مزورة ومقدمة على أنها صادرة عن كلية الصيدلة في جامعة دمشق
 


فريق التحرير

من إعداد فريق تحرير NSO

شارك هذا المحتوى