NSO

جماعة الأحباب من دلهي إلى حلب، حياد مريب وانتقادات لا تنتهي

مجموعة من أتباع جماعة "الأحباب" في باكستان خلال ملتقى لأتباع الجماعة عام 2016

 

تعتبر جماعة الدعوة والتبليغ المعروفة أيضاً باسم جماعة الاحباب من أكثر الفرق الدينية إثارة للجدل على المستويات كافة، فهي ـ برأي من ينتقدها ـ لا تضرب يد ظالم ولا تأخذ بيد مظلوم. أما أعدائهم في الدين يرون انهم لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر. 

إشارات استفهام كبيرة تدور في الأذهان حين يذكر جماعة الدعوة التي تختلف سياستها عن جميع الفرق خاصة فيما يتعلق بعلاقتها مع الأنظمة الحاكمة. فهم في حالة "مسالمة" دائمة للأنظمة ظالمة كانت أم عادلة. لأن الهدف الرئيسي برأيهم هو إعادة الناس إلى الطريق الحق بالمحبة والتسامح. 

لا تعتبر جماعة الأحباب من الجماعات القليلة عدداً فأعدادهم بالملايين على مستوى العالم ومركزهم الرئيس في الهند الذي يُعقد فيه اجتماعا سنويا يحضره الملايين من الأعضاء أيضاً، ولا توجد إحصائية دقيقة اليوم لعددهم في الشمال السوري، وقد قدّر بعض المتابعين لمسيرة الأحباب عدد أتباعهم بـ12 الف شخص في الشمال السوري. 

في سوريا تم إقصاء هذه الجماعة على يد تنظيم داعش حين سيطر على مناطق تواجدهم في ريف حلب والرقة وريف حماة، وباقي مناطق سوريا بكثافة أقل، إلا أن عدداً منهم التحق بالتنظيم وقاتل وقتل معهم، ويعتبر هذا الحوار الحديث الإعلامي الأول لجماعة الاحباب في سوريا منذ تأسيسهم وحتى اليوم. 

 

*من هم الأحباب؟ 

في لقاء خاص أجراه مراسل NSO بريف حلب مع "أمير الأحباب" الشيخ عبدالله - اسم مستعار- يقول الشيخ: "إن الأحباب هم جماعة الدعوة التي أسسها الشيخ الهندي (الياس كاندهلوي) عام 1918 وذلك بعد سقوط الخلافة العثمانية، ولاقى الكثير من المصاعب في دعوته القائمة على جمع الشعوب بعيداً عن العسكرة. وبدأت الدعوة في منطقة نظام الدين في الهند في دلهي. 

وعن التسمية قال الشيخ عبدالله: "يسميها الشيخ الياس جماعة تحريك الايمان، وتسمى في تركيا جماعة التبليغ، أما اسم الأحباب فقد أطلقه المنتسبين على أنفسهم، وخلف الشيخ الياس ابنه "يوسف كاندهلوي" ثم الشيخ "نعمان الحسن". 

وحول انتشار الدعوة في سوريا قال الشيخ عبدالله: جاءت جماعة الدعوة من الهند إلى سوريا عام 1952 لكن لم يتمكنوا من استقطاب أحد، حتى بدأت تنتشر في الستينيات ولعل محافظة حماة هي أكثر من تقبل الدعوة على يد الشيخ "الرواس". ومنها انتقلت الى حلب وبشكل كبير على يد أمير الدعوة في سوريا حينها الشيخ عبد الوهاب دركزنلي. الذي أسس أكبر مركز للجماعة في منطقة "كرم حومد" بحلب وخرج من هذا المركز الكثير من الشباب إلى الدعوة في مختلف المناطق السورية. واستمر العمل على هذا المنوال حتى عام 1993 . 

 

*تبعية الجماعة ودعمها.. انقسامات في الهند وباكستان 

لا تشبه جماعة الأحباب غيرها من الجماعات الدينية، على مستوى التمثيل الديني أو الدعم المادي، فلمن تتبع ومن يدعمها؟ 

يجيب الشيخ عبدالله بقوله: بشكل عام تتبع جماعة الدعوة للأمير العالمي الحالي "سعد كاندهلوي" ومركزه الهند، إلا أن انقسامات خطيرة حصلت مؤخراً فانقسمت الجماعة إلى قسمين قسم في الهند وآخر في باكستان بسبب خلافات على الإمارة. 

وعن الخلافات يقول الشيخ عبدالله: قبل وفاة الشيخ "نعمان الحسن" سمى عشرة رجال يخلفونه من بعده، مات ثمانية منهم وبقي اثنان أحدهم "سعد" حفيد المؤسس "الياس" وهذا ما أغضب مجموعة من أصحاب الرأي في الجماعة الذين اعتبروا تولي "سعد" بداية إلى توارث الإمارة وحصرها في أسرة "كاندهلوي". في الوقت الذي يرفض فيه سعد التخلي عن الإمارة. الأمر الذي حدا بجماعة باكستان إلى الانفصال، إلا أن بوادر صلح ستظهر قريباً. 

وبالنسبة لتبعية أحباب سوريا، قال الشيخ عبدالله: لم نحدد موقفنا بعد بشكل واضح، وفي الوقت الحالي ليس لنا تواصل مع أي من الجهتين، لكن لازلنا نعمل على البرنامج القديم الذي وضعه "نعمان الحسن" منذ 40 سنة. 

وعن الدعم المادي قال الشيخ عبدالله: منذ تأسيس جماعة الدعوة لم نتلق أي دعم مادي من أي جهة. وكل ما يقوم به الأحباب هو من حسابهم الخاص. وهذا هو سر قوة الدعوة لكن أحيانا هنالك دعم فيما بيننا من خلال الزكاة. أما عن السفر الخارجي فهو على حسابنا وكل حسب قدرته وامكاناته فمنا من يسافر الى الهند ومنا من يسافر الى الأردن. 

وعن الهيكلة الإدارية والتنظيمية قال الشيخ عبدالله: ليس لدينا أي نظام داخلي مكتوب فنحن نتلقى تعاليمنا بشكل شفهي . كما لا يوجد لدينا مركزية في العمل.. نعتمد على مجلس شورى تم تعيينهم من قبل الاحباب بناء على علمهم او قدمهم. 

 

*طبيعة العلاقة مع النظام السوري 

انتشر الأحباب وبأعداد كبيرة في معظم المناطق السورية، لكن يبدو أن العلاقة مع النظام كانت تختلف جذرياً عما هو الحال بالنسبة للجماعات الأخرى وخاصة الجماعات السلفية التي ملأ النظام منها سجونه سيما سجن صيدنايا. فماهي طبيعة العلاقة بين الأحباب والنظام؟: 

يقول الشيخ عبدالله: حتى عام 1993 كانت الأمور تسير بشكل جيد، بدأت بالتغير في عام 1994 عندما بدأت الكثير من الوفود العربية والإسلامية تزورنا في سوريا. 

فأصدر النظام قراره بمنع دخول هذه الوفود إلى سوريا، ثم منع سفر أي شخص منا خارج سوريا الا بعد أجراء دراسة أمنية عليه، وقلصوا مدة الخروج من 40 يوم إلى أقل مدة ممكنة ثم اوقفوها عام 1994 بشكل نهائي لتقتصر على زيارة الاقارب داخل سوريا فقط، و"الخروج" مصطلح يطلقه جماعة الدعوة على السفر من أجل الدعوة ومدته 40 يوماً". 

وتابع الشيخ عبدالله: ظن الاحباب أن أمر الإيقاف صادر عن المركز العالمي لجماعة الدعوة في الهند بالاتفاق مع نظام الأسد الأب، وعندما اكتشفوا أنه من النظام قاموا في 2003 بالعودة للعمل لكن في البيوت دون المساجد وهذا يسمى بالجهد المكّي أي "السري" وذلك تقليداً للدعوة السرية التي قام بها الرسول في دار الارقم ابن الارقم ثم تحولت الى "مدنيّة" أي علنية. 

وأضاف الشيخ عبدالله: علاقتنا مع الأنظمة هي علاقة "خد وعين" بمعنى آخر "لا نحبهم ولا نسبهم"، فنحن لا نبحث عن أية منافع من النظام، أما الأنظمة يبقى لديها نوع من الحذر خشية أن يخرج بعض المنتسبين للأحباب عن فكرنا ما يسبب بعض المشاكل، وبشكل عام لم نتعرض لأي مضايقات من قبل النظام لأنه يعلم بأننا مسالمين ولا يشكل منهجنا أي خطر على وجوده. 

 

*موقف الأحباب من الثورة 

وعن موقف الأحباب من الثورة السورية قال الشيخ عبدالله "أمير الأحباب" في سوريا في حديثه لـ NSO : مع بداية الثورة السورية انقسم الأحباب بين مؤيد ومعارض، فمنهم من فضل البقاء مع النظام وآخرين مع الثورة، لكن بشكل عام نحن غير مطالبين بالوقوف مع جهة ضد أخرى لأننا نركز على الدعوة فقط. 

واستدرك قائلاً: نحمد الله أننا لم نقف بجانب أحد، نظراً لسوء الأحوال التي آلت إليها البلاد.. نحن استفدنا من التجربة الأفغانية لذا وقفنا على الحياد. 

وتابع: هناك الكثير من القادة في الجيش الحر، الذين كانوا من الاحباب أبرزهم عبد القادر الصالح الذي كان له نشاط كبير في الجماعة، وزار باكستان لمدة 4 أشهر و"خرج" إلى إيران ضمن مناطق السنة، وهنالك قائد آخر لأحد الألوية المقاتلة اسمه عبدالرحمن تركي أيضاً من الأحباب. 

*وضع الأحباب في مرحلة داعش 

لا يلتقي فكر جماعة الدعوة مع فكر داعش بأي شكل من الأشكال، فماذا حل بالأحباب في عهد التنظيم؟. 

يقول الشيخ عبدالله: قبل دخول داعش المنطقة كان لدينا مركزاً كبيراً في مدينة الباب يسمى مركز "سلمان الفارسي" يضم آلاف الشباب من ادلب حتى الميادين. ومع دخول داعش المدينة حاولنا العمل بشكل سري لكنهم يعرفون كل شيء عن منهجنا وخططنا لذا لم نتمكن من فعل شيء. 

وتابع: بشكل عام كانت معاملة داعش مع الأحباب جيدة فنحن برأيهم لم ندخل بالردّة ومن قُتل منا على يدهم لم يقتل لأنه من جماعة الأحباب بل لأسباب أخرى. 

حتى إن بعضهم كان يقول "الأحباب نصفنا الثاني فنحن نملك الأجساد وهم يملكون القلوب". 
وعن مدى تأثر شباب الأحباب بداعش قال الشيخ عبدالله: لقد تأثر قسم كبير من شباب الأحباب وغيرهم بفكر داعش ومن يقول غير ذلك فقد جانب الحقيقة. والتحق عدد من شباب الدعوة بصفوف التنظيم .. قتل الكثير منهم. 

وتابع: تمكن داعش من استقطاب جميع الصادقين بعد اصدار برنامجه القائم على مبادئ سامية، لكن تم كشفهم عند تطبيق هذه البرامج. 

وأضاف: داعش جماعة سياسية تبحث عن المناصب ولديهم تشدد كبير على عكس منهجنا القائم على محبة العصاة والمذنبين.. نحاول التقرب منهم ولا نحاسبهم على ذنوبهم. 

 

*كيف تتعايش جماعة الأحباب حالياً مع محيطها شمالي سوريا 

يقول عمر، وهو أحد مشايخ جماعة الأحباب إن العلاقة بين الجماعة والناس قائمة على المحبة والتسامح والدعوة الى الدين باللين بعيدا الترهيب، وعدم التدخل في شؤون الناس وعقائدهم، هنالك تواجد للأحباب في جميع المناطق السورية ولا يوجد مضايقات من أي جهة، وكذلك تتجنب الجماعة الصدام مع أي سلطة تعمل تحت ظلها. 

وحول هذا الأسلوب قال عمر: "عندما تحررت مدينة الباب قمنا بزيارة للأمنيين وعرفناهم بأنفسنا وعملنا ولم نواجه بأي معارضة كون معظم المسؤولين في المنطقة يعرفوننا سابقاً ويعرفون منهجنا، كما قمنا بزيارة ضابط تركي في مخفر مدينة قباسين وطرحنا عليه أمرنا فوجدنا ترحيباً كبيراً من قبله وأوصانا بنشر العلم بين الناس وحضهم على المحبة والتسامح." 

وفيما يتعلق بعلاقتهم مع الأوقاف قال عمر: "الأوقاف يعرفوننا جيدا ولدينا إذن شفهي بممارسة عملنا في أي مسجد نريد، ويعتبر أئمة المساجد والخطباء من الأحباب موظفين لدى الأوقاف وتمت الموافقة على تعيينهم من قبل الأوقاف." 

وحول علاقتهم بالعسكريين في المنطقة قال عمر: "في منطقة درع الفرات حصل جدال بسيط من بيننا وبين حركة أحرار الشام بسبب انتساب بعض الأحباب لتنظيم داعش، وخوف الحركة من أن يكون هنالك تواصل بيننا وبينهم لكن بعد فترة زال هذا الخلاف، كما طلبوا منا إبلاغهم عن أماكن اجتماعاتنا. وليس لنا أي تصادم مع أي فصيل." 

وتابع: أما في إدلب فالأحباب يتعرضون لمضايقات كثيرة من "هيئة تحرير الشام" وذلك بسبب رفض الأحباب حث الناس على الجهاد، فضلاً عن رفض الأحباب تعليم الناس نواقض الإسلام التي يكفر من ارتكب إحداها. 

وفي هذا الصدد أوضح الشيخ عمر: "بالنسب للجهاد لا نرى أن الوقت مناسب له، كما أننا نُعتبر دعوة عالمية فالأحباب ينتشرون في 250 دولة منها أمريكا، وإذا ما دعونا للجهاد فإن جميع الدول ستصنّفنا كمنظمة إرهابية وبالتالي سنحارب ونمنع من الدعوة." 

ومن جهته يقول "أمير الأحباب" الشيخ عبدالله إن الوقت الآن ليس وقت جهاد وقتال،والجهاد يعتبر مرحلة متقدمة من الدين، ولا يمكن القيام به في كل وقت فالرسول بقي 13 عام يربي الناس ويعلمهم الدين ولم يكن هنالك قتال بعد وكان ذلك في مرحلة الدعوة السرية في مكة المكرمة. 

وتابع: نحن لا ننكر وجود الجهاد ومن ينكره كافر، لكن لدينا أولويات تتركز على إعادة الناس الى المنهج الصحيح وترك الربا والزنا والمعاصي، فالجهاد ليس كلمة تقال بالألسن فقط. 

وعن علاقة الجماعة بالإعلام، يقول الشيخ عبدالله "أمير الجماعة" في سوريا: "لا يفضل أمراء الدعوة الظهور الإعلامي لأنهم يعتبرون أن العمل الدعوي يجب أن يبقى كذلك بعيداً عن الاعلام ولأنه عمل لا نحتاج من أحد أن يعرفه سوى الله." 

وأضاف: "الأمير العالمي الحالي لجماعة الأحباب "سعد كاندهلوي" منع أي شخص من تصويره وتوعد بمحاسبة من يصوره يوم القيامة، لكن ظهرت له بعض الصور التي صُورت خفية." 

 

*كيف يرى الآخرون الأحباب ؟ 

يتحدث "أمير الأحباب" الشيخ عبدالله عن موقف أئمة وعلماء الدين السعوديين من الجماعة قائلاً: " الأغلبية من علماء السعودية يقفون على العداء مع جماعة الدعوة ودائما ما يصفونا بأوصاف قاسية لعل أهمها وصفنا بقلة العلم" 

وأضاف: هذه حقيقة لكن العلم ليس من شروط الدعوة. ولو كان كذلك لأرسل الله رسله علماء. فالدعوة لا تحتاج للعلم أما إذا أردت أن تكون مفتياً فلا بد من العلم. 

وتابع: نحن لا ننكر دور العلم وأهميته لكن كما قال الشيخ "الياس كاندهلوي" لا يمكن أن تقوم الدعوة في العالم كما في عصر الرسول إلا إذا قام العلماء، فأنتم الآن تجتهدوا حتى يظهر العلماء. 

وعن تواجد الأحباب في السعودية قال الشيخ عبدالله: هنالك تواجد للأحباب في السعودية لكن بجهد مكي "سري" وذلك بسبب منع الحكومة السعودية نشاط الأحباب. 

أما داخل مناطق تواجدهم في سوريا، يقول أيمن البطوشي وهو إمام مسجد في مدينة الباب لـNSO: "إن نزول الأحباب إلى الأسواق والمساجد ودعوتهم للناس أمر جيد، لكن نأخذ عليهم مسألة التحزب وقولهم أنهم على حق والبقية على خطأ وادعائهم بأن الدين لم ينتشر إلا بأسلوبهم القائم على الخروج إلى الأسواق والقرى للدعوى واتباعهم اللين." 

وأضاف: يندر وجود العلماء بين جماعة الأحباب، فالشخص عندهم يصبح داعية خلال أيام قليلة وهذا فيه ضعف، فكلامهم واحد متشابه ومكرر، وهم لا يتكلمون ابداً في الأمور الخلافية والعلمية وهذا أحد المآخذ على جماعة الأحباب ومهمتهم شعبية بحتة وهم معذورين بسبب قلة العلم لديهم". 

وختم البطوشي: "خلافنا معهم كان في بداية الثورة بسبب نهجهم المتبع والذي يسمى بالرحمة، بمعنى أنهم يدعون بالرحمة والهداية للظالم والمظلوم على حد سواء،| كما اصطدمنا معهم بقضية (المنبر والمحراب) أي الدعوة على المنابر، التي يرى الأحباب أنها لا تنفع في الدعوة بسبب اقتصارها على الحاضرين في المسجد، ويجب الخروج إلى الناس في بيوتهم وأسواقهم. ولا أعلم هل هذا رأي أفراد أو رأي الجماعة بشكل عام." 

  

 


فريق التحرير

من إعداد فريق تحرير NSO

شارك هذا المحتوى