NSO

قسد تنهب مرافق الرقة وما تبقى من بنيتها التحتية لتبيعها للمواطنين

كميات من الحديد المفكك من مبنى محافظة الرقة

بعد أن سيطرت "قوات سوريا الديمقراطية" التي يهيمن عليها حزب الاتحاد الديمقراطي "PYD" على مدينة الرقة في تشرين الأول من العام 2017، منعت دخول الصحفيين إلى المدينة لرصد أوضاعها بعد طرد تنظيم داعش، وفرضت مرافقة عسكرية على الصحفيين الذين حصلوا على استثناء أو موافقة للدخول، بحيث لا يتحرك الصحفي إلا في مناطق محددة يختارها العسكريون المرافقون، كما حظرت على المدنيين العودة إلى منازلهم والإقامة فيها، وسمحت لهم فقط بتفقدها لساعات خلال تلك الفترة.

في تلك الفترة التي امتدت نحو ثلاثة أشهر بحجة وجود "خلايا نائمة" تابعة لتنظيم "داعش" في المدينة، شرعت "قوات سوريا الديمقراطية" بعمليات بتمشيط منازل المدينة ومباني الدوائر الخدمية فيها، ولم يكن الهدف من ذلك فقط تأمين المدينة ورصد الألغام التي خلفها التنظيم، بل كان نهب تلك المباني على رأس أولويات تلك القوات، واستمرت تلك العمليات حتى بعد عودة أهالي الرقة إلى بيوتهم.

يقول محمود السليمان ابو مثنى، وهو احد سكان مدينة الرقة لمراسل NSO: "سُمح لي فقط بتفقد منزلي بعد طرد داعش من الرقة، خلال بضع ساعات قضيتها في المدينة خلال تفقدي للمنزل، شاهدت عمليات السرقة التي كانت تديرها قسد للممتلكات العامة وتجهيزات البنى التحتية" وأضاف أبو مثنى أن النهب طال أيضاً المنازل المهجورة والمحال التجارية.

وبحسب ما نقل مراسلنا عن أهالي الرقة، فإن عمليات "التعفيش" بلغت ذروتها في شهر نيسان الفائت حيث وضعت "قسد" يدها على كل المؤسسات الحكومية، وبدأت بهدمها وتفكيك كل ما يمكن بيعه منها، كالحديد والأخشاب والأقفال والخردوات، وذلك عبر عروض مزايدات تجارية، يربحها غالباً تجار مقربون من "قسد".

 

*قصر المحافظة

انطلقت أعمال السرقة في الرقة بداية من "قصر المحافظة" في الرقة وهو من أضخم وأفخر أبنية المدينة، وتعرض للتدمير بقصف من طيران التحالف الدولي صيف عام ٢٠١٧، وبدأت أعمال تفكيك الحديد منه في شهر شباط من العام الجاري.

ويقول مصدر في المجلس المحلي للرقة لمراسل NSO إن"قسد" استخدمت عمال محليين الحديد عبر عمال محليين عملوا على مدار ٣ أشهر بمساعدة آليات لمجلس الرقة المدني الذي يتحكم به حزب الاتحاد الديمقراطي، وعملت آليات المجلس في ترحيل أنقاض المبنى ونقل الحديد وباقي المسروقات، وذلك تزامناً مع عملها في مشروع "ترحيل الأنقاض وفتح الطرقات" المدعوم من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، والذي تنفذه به لجنة إعادة الإعمار التابعة للمجلس.

ورحلت اللجنة كل الكتل الإسمنتية بعد تفكيك القضبان الحديدية من البناء، ثم استخدمت آلات لإعادة صقل الحديد وبيعه وكأنه غير مستخدم سابقاً، وبالفعل كان يتم بيعه للتجار في سوق الحديد شمال شرق الرقة بسعر 200 ألف ليرة سورية للطن الواحد، أي ما يعادل تقريباً 445 دولار أمريكي.

وبحسب أحد المهندسين الذين أشرفوا على بناء قصر المحافظة عام بين عامي 2000 و 2010 فإن المبنى استهلك أكثر من ٤٠٠ طن من الحديد، بسعر ٥٠ ألف ليرة سورية للطن الواحد في عام أي ما يعادل حينها نحو ١٠٠٠ دولار حينها، ويتوضع المبنى على مساحة تبلغ ألفي متر مربع، وهو مكون من أربع طوابق، وثلاثة طوابق تحت الأرض.

 

*مبنى حزب البعث الجديد ومديرية الزراعة

لم يتعرض مبنى "حزب البعث العربي الاشتراكي" الجديد وسط مدينة الرقة لدمار واسع، إلا أن ذلك لم يمنع "قسد" من هدم المبنى وتفكيك الحديد من الكتل الاسمنتية داخل المبنى، وتحويله إلى كتلة من الركام.

ويقول مراسلنا نقلاً عن شهود عيان في الرقة، إن أعمال الهدم انطلقت في منتصف شهر آذار الفائت بمشاركة آليات "مجلس الرقة المدني" التابع لـ"قسد"، حيث تم هدم ثلثي المبنى بواسطة الحفارات "كومبريسة" وليس الجرافات وذلك للمحافظة على الحديد الموجود بداخل البناء، ثم تم بيع الحديد المستخرج من المبنى في سوق الحديد شمال شرقي الرقة.

وبحسب مهندس مطلع من أبناء الرقة، فإن مبنى فرع حزب البعث يمتد على مساحة قدرها حوالي ١٢٠٠ متر مربع، واستهلك نحو ٣٠٠ طن من الحديد، بتكلفة زادت عن ٣٠٠ ألف دولار حينها للحديد فقط.

مبنى مديرية الزراعة والثروة الحيوانية غرب الرقة لم يسلم هو الآخر من النهب، حيث تعرض في شهر أيار من العام الجاري للهدم وتفكيك الحديد منه، بذريعة أن المبنى خرج عن الخدمة نتيجة الأعمال العسكرية، في حين لم يتعرض المبنى لأضرار كبيرة نتيجة القصف، إنما تعرض لأضرار محدودة نتيجة استهدافه ببضعة قذائف.

وبحسب المهندس ذاته، فإن مبنى مديرية الزراعة والثروة الحيوانية في الرقة يمتد على مساحة تقدر بنحو ألف متر مربع، وهو مسلح بنحو 220 طن من الحديد.

 

*ليس الحديد فقط هو الهدف

ولم تقتصر عمليات التعفيش على الحديد فقط، حيث قام عناصر من "قوات سورية الديمقراطية" بسرقة مستودع مديرية المياه والصرف الصحي شمال الرقة، و نقلت "المسروقات" إلى مناطق مجهولة خارج المدينة بوساطة سيارات وحراسة أمنية من "قسد".

وقال أحد مهندسي مديرية المياه والذي رفض الكشف عن هويته إن المسروقات من المستودعات تقدر بمئات الآلاف من الدولارات ولا يمكن تعويضها بسهولة نظراً التطابقها مع باقي التجهيزات الخاصة بتمديدات المياه وشبكة الصرف الصحي في الرقة.


وأضاف المهندس أن المسروقات هي أنابيب مياه وصرف صحي مصنوعة من البوتولين و"الحديد المزيبق"و قساطل بولي ايتلين وبوتولين و ستوبات ووصلات اصلاح وتوصيلات أنابيب من جميع أنواع المعادن والخلطات المعدنية، وسدادات من جميع المقاسات، وسدادات مانعة للإرجاع بجميع المقاسات أيضاً.

وختم المهندس "إن عمليات السرقة هذه طالت إكسسوارات لمديرية المياه يصعب تعويضها والحصول عليها حيث تم استيرادها على مر عشرات السنوات من عدة دول في العالم، وقد أثر فقدها بشكل كبير على شبكة مياه الرقة، وما زال حتى الآن يؤخر عودة المياه بشكل كامل إلى أحياء المدينة."


*أين تصرف قسد مسروقاتها؟

مراسل "nso" التقى بعض التجار في سوق الحديد الواقع شمال شرقي الرقة، وتمكن من التوصل إلى معلومات تفيد بأن مستثمرين وتجار مقربين من "قسد" باعوا بشكل متفرق أكثر من ٥٠٠ طن من الحديد في السوق بسعر ١٩٠ ألف ليرة للطن الواحد، ما يعادل تقريباً 425 دولار أمريكي.

ونقل المراسل عن بعض التجار في السوق أن الحديد المستعمل يباع في السوق بسعر 200 ألف ليرة للطن الواحد، أي ما يعادل تقريباً 445 دولار أمريكي، ويشهد إقبالاً واسعاً من المدنيين الذين يشترونه بغرض إعادة إعمار منازلهم المتضررة من القصف، وأكد بعض التجار أنهم تلقوا وعوداً من تجار "شركاء لقسد" بضخ كميات إضافية من الحديد في السوق بعد الانتهاء من هدم بعض المباني أيضاً، وتفكيك الحديد الموجود في داخلها.

ولفت احد التجار إلى أن "قسد" كانت قد منعتهم من شراء الحديد مجهول المصدر، إلا أن المستثمرين الذين كانوا يبيعون الحديد المسروق، كانوا يأتون إلى السوق برفقة مندوبين من "قسد"، وذلك حتى لا يتم سؤالهم عن مصدر الحديد، وبحسب هؤلاء التجار، فإن "الجاويش" البالغ عمره نحو 45 عاماً وهو أحد المستثمرين المدعومين من "قسد"، يهيمن على عمليات تصريف الحديد والمواد المفككة من الأبنية المهدمة، وتعود اصوله إلى ريف الرقة الشمالي.

وتأتي عمليات السرقة هذه بالتزامن مع مشاريع يقدمها مجلس الرقة المدني للخارجية الأمريكية، تتضمن طلبات مواد ومعدات مطابقة للمسروقات التي نهبتها "قسد"، وذلك تحت شعار "إعادة إعمار الرقة وتأهيل بنيتها التحتية".

يقول أحمد الشلهوم "أبو هيا" وهو أحد أبناء مدينة الرقة لـNSO: "تقدمنا بأكثر من شكوى للقضاء التابع لقسد في الرقة بخصوص المسروقات وعمليات النهب التي طالت المرافق العامة في الرقة، كما بعثنا برسائل لمندوب التحالف الدولي (بريت ماكغورك) تشرح ما يحصل في المدينة، ولم نلق أي رد أو تفاعل معنا."

 

كميات من الحديد المستخرج من مبنى المحافظة في مدينة الرقة

 

 

كميات من الحديد المستخرج من مبنى حزب البعث العربي الاشتراكي في مدينة الرقة

 


عبادة الحسين

كاتب صحفي، يعمل في الاعداد والتحرير المكتوب والمسموع، ويكتب في عدد من الصحف والمجلات العربية الإلكترونية والورقية.

شارك هذا المحتوى