NSO

مدنيو الرقة، ومرارة النزوح الثاني والثالث على أيدي وحدات حماية الشعب YPG

يعاني أهالي محافظة الرقة أوضاعاً صعبة بعد سيطرة "قوات سورية الديمقراطية" على ثلثي مساحة المحافظة في ظل صراعها مع تنظيم "داعش"، وذلك بعد إطلاقها حملة "غضب الفرات" التي انطلقت العام الماضي 2016.

التهجير بعد "التحرير"

وعلى الرغم من سيطرة "قسد" على أجزاء واسعة من المحافظة، إلا أن قرابة 100 ألف مدني أجبرتهم تلك القوات التي تهيمن عليها "وحدات حماية الشعب YPG" بقوة السلاح والتهديد على الخروج من قراهم ومناطقهم إلى أراض خاوية مجاورة، ليشكلوا تجمعات بشرية أشبه بالمخيمات، وبحسب شهود من أهالي مناطق سيطرت عليها "قسد" مؤخراً، فإن قيادات "وحدات حماية الشعب YPG" عمدت عدة مرات إلى تزويد غرفة عمليات التحالف الدولي ضد "داعش" بإحداثيات منازل مدنية، ليتم قصفها بهدف ترهيب المدنيين ودفعهم إلى النزوح قسراً.

ومن بين النازحين، يعيش قرابة 40 ألف مدني في منازل أقاربهم وذويهم في ريف الرقة الشمالي، في حين يعيش قرابة 60 ألفاً آخرون في نحو 60 مخيم، تضم خياماً قماشية، ويقيم في كل واحد منها ألف مدني بشكل وسطي، بالإضافة مخيم عين عيسى ومخيم المبروكات على الحدود الإدارية الشمالية لمحافظة الرقة مع محافظة الحسكة، وتفتقر تلك المخيمات إلى أدنى مقومات الحياة مثل المياه والغذاء، وسط غياب شبه تام للمنظمات الإغاثية الدولية، أو تلك التابعة لـ"الإدارة الذاتية" التي يتحكم بها "حزب الاتحاد الديمقراطي PYD".

وأفاد موظف في إحدى المؤسسات الإغاثية العاملة في المنطقة لـNSO بأن النازحين من مدينة الرقة تفوق نسبتهم الـ 45% من إجمالي القاطنين في المخيمات، في حين يشكل نازحون من ريفي حلب وحمص ومناطق أخرى نحو 55%، وتبلغ نسبة النساء والاطفال من العدد الكلي للنازحين نحو 70%، وبحسب الموظف فإن معظم العائلات الموجودة في المخيم لا معيل لها، وقد بقي كثير من الرجال المعيلين لتلك العائلات خاصة الشبان الذين يقل عمرهم عن 40 عاماً في مناطق سيطرة داعش خوفاً من التجنيد القسري الذي تفرضه "وحدات حماية الشعب YPG" في المناطق التي تسيطر عليها.

بؤر نزوح عشوائية لا تناسب البشر

أبو أحمد هو مدني من الرقة عمره 45 عاماً وهو متزوج ولديه خمسة أطفال، ويقطن الآن مع مجموعة من النازحين في خيم نصبوها في "أرض بور" قرب بلدة الكرامة بريف الرقة الشرقي قال لـNSO إنه اضطر قبل أشهر للخروج من مدينة الرقة إلى بلدة الكرامة التي كانت تحت سيطرة "داعش" آنذاك، وذلك بعد تصاعد وتيرة القصف الذي بات يستهدف أحياء سكنية في الرقة، وبسبب الخدمات في المدينة بالإضافة إلى مضايقات تنظيم "داعش"، وقبل نحو شهرين، طلب التحالف الدولي ضد "داعش" من المدنيين الخروج من البلدة، وذلك عبر قصاصات ورقية تم رميها من الطائرات التابعة له، وتوجه بعد ذلك "أبو أحمد" وعائلته إلى محيط بلدة الكرامة.

وأضاف "أبو أحمد" أن جميع سكان الريف الشرقي للرقة يعيشون خارج قراهم وتمنعم "وحدات حماية الشعب YPG" من العودة إلى منازلهم، بحجة وجود خلايا نائمة لتنظيم "داعش" في تلك القرى، وبحسب "أبو أحمد" فإن عناصر "YPG" لدى سيطرتهم على تلك القرى، كانوا يتعمدون إيهام المدنيين بوجود اشتباكات مع "داعش"، وأحياناً ينسحبون من القرى التي سيطروا عليها دون اشتباكات، ليدخل عناصر من "داعش" إلى تلك القرى ثم يقصفهم طيران التحالف الدولي بين الأحياء السكنية، فيجبر المدنيون على النزوح وهجر مناطقهم.

ويصف "أبو أحمد" الوضع في المخيم قائلاً: نعيش في هذا المخيم قرب بلدة الكرامة وسط ظروف لا تناسب البشر، جميع الخيام هنا قام المدنيون بإخاطتها بأنفسهم، ولم نحصل على أية مساعدات من منظمات إنسانية أو غيرها، البعض قام بحفر مساحة بعرض ثلاثة أمتار وطول ثلاثة أمتار أيضاً وعمق نصف متر، وغطاها بقطعة قماشية كبيرة ليجعل منها مأوى له.

وتشابه حالة "أبو أحمد" حال النازحين المنشترين في مخيمات عشوائية على طول مسافة تقدر بـ50 كيلومتراً، ابتداء من بلدة الكرامة شرقي الرقة، وحتى جزرة البوحميد على الحدود الإدارية لمحافظة الرقة مع محافظة دير الزور بمحاذاة نهر الفرات، حيث التجمعات البشرية العشوائية الأكبر في ريف الرقة.

المخيمات معسكرات اعتقال

وفي ذات السياق، "أم عبدالله" وهي معلمة سابقة في مدرسة تبلغ من العمر 36 عاماً ولديها ثلاثة أطفال تقيم في مدينة تل أبيض شمال لرقة، قالت لـNSO: اضطررت للنزوح مع أطفالي من مدينة الرقة إلى ريفها الشمالي بعد وصول الأوضاع في المدينة إلى درجة لا تطاق من القصف اليومي من طائرات التحالف، إلى المضايقات المستمرة والتقييد المستمر لحركة النساء من عناصر "داعش"، وتوجهت إلى "مزرعة تشرين" وأقمت فيها شهراً واحداً قبل أن تتمكن "وحدات حماية الشعب YPG" من السيطرة عليها في أعقاب انسحاب عناصر "داعش".

وتضيف "أم عبدالله": بعد سيطرة "YPG" على مزرعة تشرين بأيام، أجبرونا بقوة السلاح مغادرة المنطقة باتجاه مخيم عين عيسى، وبالفعل خرجت مع أكثر من 2000 شخص من المنطقة باتجاه مخيم عين عيسى، وكانت ترافقنا سيارات عسكرية تابعة لـ"الوحدات" لتمنع فرار أي من النازحين إلى المناطق المحيطة.

وأوضحت "أم عبدالله" أن مخيم عين عيسى أقرب إلى معسكرات الإعتقال، حيث تقوم قوة عسكرية بتوزيع الغذاء على النازحين بكميات محدودة، ويرافق ذلك شتائم من العناصر للمدنيين واتهامات بالانتماء إلى "داعش" لا تستثني النساء والأطفال، ولا يضم المخيم مستوصفاً أو نقطة طبية، في حين يخضع لحراسة مشددة تمنع خروج أي شخص إلا بكفيل من أهالي المنطقة التي يرغب النازح بالتوجه إليها، وتقدم أحد أقارب "أم عبدالله" بطلب كفالة إلى سلطات "PYD" كي يسمح لها بالإقامة في تل أبيض، لكن تم رفض هذا الطلب دون ذكر الأسباب، لكنها تمكنت من الخروج بعد تأمين وسيط ذو نفوذ وعلاقات جيدة مع "الإدارة الذاتية"، وهي تقيم حالياً في تل أبيض.

بعيداً عن أقلام وعدسات "وحدات حماية الشعب YPG"

أحد الأطباء العاملين في المنطقة زار مخيم "عين عيسى" وروى مشاهداته لـ"NSO" قائلاً: لقد بدأ داء الليشمانيا ينتشر في مناطق بريف الرقة الشمالي، ولقد وثقت حتى الآن اكثر من 400 حالة في مخيمات تل أبيض وريفها،وتعاني مناطق الريف في هذا الوقت نقصاً حاداً في الأدوية بشكل عام و أدوية الليشمانيا بشكل خاص، ومما يزيد الوضع تفاقماً تحكم "وحدات حماية الشعب YPG" بالمشافي والخدمات الطبية، وتسخيرها لصالح مقاتليها والمقربين منها.

ولفت الطبيب إلى أن المشافي الميدانية العسكرية التابعة لـ "قسد" أو "وحدات حماية الشعب YPG" تتمتع بخدمات طبية لا بأس بها، مقارنة بالمشافي المخصصة للمدنيين التي تفتقر للكوادر والمعدات والأدوات الطبية.

وتعمد "YPG" إلى حجب هذه المعلومات والظروف الحقيقية التي تعيشها المخيمات وبؤر النزوح في ريف الرقة عن الإعلام، وتنحص التغطية الإعلامية لتلك المناطق بالمؤسسات الإعلامية المقربة من "قسد" أو المرخصة من "اتحاد الإعلام الحر" التابع لـ"حزب الاتحاد الديمقراطي PYD"، حيث تعمد تلك المؤسسات إلى تحضير مشاهد تعاكس الواقع بشكل تام، لتظهر ان النازحين راضين بشكل تام عن معاملة "قسد" و "YPG" معهم، كما تقوم القوى الأمنية التابعة لـ"YPG" باعتقال المدني الذي يحتوي هاتفه على صور أو تسجيلات مصورة لمنطقته، أو للمخيمات التي يشرف عليها مسلحو "YPG"، والتهمة المتعارف عليها هي التواصل مع مؤسسات إعلامية تابعة لتركيا.

 


عبادة الحسين

كاتب صحفي، يعمل في الاعداد والتحرير المكتوب والمسموع، ويكتب في عدد من الصحف والمجلات العربية الإلكترونية والورقية.

شارك هذا المحتوى