NSO

"أبناء القضية"، قصص أطفالٍ مجندين في صفوف وحدات حماية الشعب

تخريج 254 مقاتل من فصائل تابعة لـYPG بعد خضوعهم لمعسكر تدريبي في تشرين الثاني 2016

تعمد معظم الأطراف العسكرية المتصارعة في سوريا إلى استخدام الأطفال في القتال أو في أعمال عسكرية رديفة للقتال المباشر مثل "تصنيع الأسلحة، التذخير، نقل الأسلحة والذخائر"، ويعتبر تنظيم "وحدات حماية الشعب YPG" الذي يهيمن على "قوات سوريا الديمقراطية" واحد من أكثر تلك التنظيمات استقطاباً للقاصرين للقتال في صفوفه.

مراسلو NSO تمكنوا خلال الأسابيع السابقة من رصدالحالات التي تثبت استمرار التنظيمات المسلحة التابعة لـ"PYD"  بتجنيد الأطفال في مناطق سيطرتهم، وقد تمكن المراسلون من تغطية بعض المناطق وليس جميعها، وذلك بسبب الظروف الشروط الأمنية الصعبة التي يعملون تحتها، وتعرضهم في كل لحظة لخطر الاعتقال من قبل مسلحي "حزب الاتحاد الديمقراطي PYD".

معسكر "سويديكة"، الداخل مفقود

رصد مراسل NSO في الحسكة حالات لبعض الأطفال الذين تم تجنيدهم في صفوف "وحدات حماية الشعب YPG"  من خلال زجهم في المعسكرات التي خصصتها "YPG" لتدريب الأطفال في محافظة الحسكة، ومن أهمها معسكر قرية "سويديكة" التي تقع في ريف الحسكة جنوب شرق المالكية بنحو 7 كم، ويشرف عليه عناصر من "حزب العمال الكردستاني PKK" وهم غير سوريين، وأسماؤهم هي "هفال أديب و هفال سرحد وهفال أمين" وهفال كلمة كردية تعني رفيق بالعربية.

ويستقبل المعسكر الأطفال والمراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و 16 عاماً على شكل مجموعات، تتألف كل مجموعة من 50 طفل، يتم تدريبهم لمدة 15 يوماً على استخدام السلاح الفردي الخفيف، ورمي القنابل، ويستقبل المعسكر الأطفال بناء على رغبة الاهالي أو رغبة الأطفال أنفسهم التي تعتدّ بها قيادة المعسكر أكثر من رغبة الأهالي، حيث تم تسجيل حالات تدريب أطفال رغماً عن أهلهم، بعد أن قصد هؤلاء الأطفال المعسكر بأنفسهم دون علم عائلاتهم، وعندما طلب الأهل أبناءهم، قوبلت طلباتهم بالرفض.

الطفل بشار أحمد عمره 14 عاماً، قصد معسكر "سويديكة" بنفسه في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2016 من أجل التدرب على حمل السلاح ثم الالتحاق بـ"وحدات حماية الشعب YPG" حسبما كان ينوي، لكن بعد شهر قرر ترك المعسكر، وعندما حصل على إجازة لمدة يومين، بقي في منزله ولم يعد إلى المعسكر، إلا أن المسؤولين عن المعسكر هددوا ذويه طالبين منهم تسليمه لهم من أجل إعادته إلى المعسكر، متهعدين لهم بإعادته إليهم خلال أيام، فسلم الأهل ابنهم لقيادة المعسكر على أمل عودته خلال أيام، إلا أن الطفل تم نقله إلى مكان مجهول بعد أيام، حسبما أبلغت قيادة المعسكر الأهل عندما ذهبوا لزيارته، وقال لهم أحد قادة المعسكر: "عليكم أن تنسوا الطفل، لقد أصبح ابن القضية ولم يعد ابنكم".

الطفل "س ف" البالغ عمره 15 عاماً التحق بالمعسكر قبل شهر كانون الثاني/ يناير من العام 2017، وقال والده لـ NSO إنه حاول مراراً إقناع ولده بترك المعسكر، إلا أنه تلقى تحذيراً من أحد مسؤولي المعسكر في حال استمراره بالضغط على ولده لترك المعسكر، وهدده باعتقاله ومحاكمته بتهمة "الخيانة"، وأكد والد الطفل أنه شاهد نحو خمسين طفلاً من الجنسين داخل المعسكر يتدربون على استخدام الأسلحة لدى زيارته لولده.

في منبج، البداية كانت مع داعش

دأب تنظيم "داعش" خلال سيطرته على مدينة منبج بريف حلب الشرقي منذ مطلع عام 2014 حتى منتصف عام 2016 على استمالة الأطفال كما في باقي مناطق سيطرته، والسعي إلى تجنيدهم للقتال في صفوفه، وقد أنشأ لذلك الهدف عدة معسكرات، حيث حولت مدرسة "معسكر التطبيقات المسلكية" إلى واحد من أهم معسكرات التدريب، الذي ضم عشرات الأطفال والمراهقين يتم تدريبهم وتجهيزهم فيه، ثم إلحاقهم بجبهات القتال.

كذلك أنشأ التنظيم معسكر "جبل قره قوزاق"، الذي عمل فيه التنظيم على غسل أدمغة الأطفال وزرع الفكر المتطرف في عقولهم منذ الصغر، وإقناعهم أن إطاعة ولاة الأمر هي إطاعة لأمر الله، حتى يسهل عليه تطويعهم وتوجيههم، على الرغم من اعتراض الأهالي وعائلات الأطفال.

وتمكن مراسل NSO في منبج من توثيق أسماء بعض الأطفال والمراهقين الذي التحقوا بالتنظيم آنذاك، ومن بينهم حسن البطوشي الذي قتل وهو في عمر 13 عاماً في معركة منبج بعد انتسابه بأربعة أشهر، وحسن العوني الذي قتل وهو في عمر 17 عاماً خلال معارك قرب بلدة السخنة بعد انتسابه بشهرين، ومحمد المواس الذي التحق بالتنظيم بعمر 14 عاماً، ومصعب العلي وعمره 15 عاماً قتل في معارك منبج ضد "قسد" بعد انتسابه بشهرين أيضاً، ومحمود الزغري وعمره 17 عاماً قتل في معركة عين العرب "كوباني". 

بعد إعلان تشكيل مجلس منبج العسكري في الثاني من نيسان عام 2016 وانضمامه لـ"قوات سوريا الديمقراطية" التي تهيمن عليها "وحدات حماية الشعب YPG" بدأ المجلس باستقبال الراغبين في القتال في صفوفه، ولكن بعد سيطرته على مدينة منبج منتصف العام الفائت، بدأ المجلس رسمياً بإجبار الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 30 عاماً على الالتحاق بقواته قسراً، ولكن بشكل غير معلن، جنّد المجلس مراهقين وقاصرين بشكل غير رسمي، من خلال الإغراءات التي كان يعرضها على الأهالي، أو من خلال استقباله وترحيبه بالقاصرين الراغبين بالقتال في صفوفه.

مسلحو  PYD على خطى داعش في تجنيد القاصرين

بدأ مجلس منبج العسكري التابع لـ"وحدات حماية الشعب YPG"" بعد سيطرته على المدينة بتجنيد الشبان من ريف منبج وخاصة من أبناء القرى الممتدة بين سد تشرين ومدينة منبج وعددها يتجاوز الثلاثين قرية، وبحسب مصادر من "الوحدات" فإن أكثر من 500 شاب من تلك القرى تم تجنيده قسراً حتى نهاية عام 2016، وكان بينهم قاصرين تحت سن  18 عاماً، وهرب نتيجة تلك الحملة مئات الشبان إلى مناطق سيطرة فصائل الجيش الحر.

لكن الحملة توقفت بعد تشكيل وفد من "شيوخ العشائر" بداية العام الجاري، الذي فتح حواراً مع مسؤولين من "قوات سوريا الديمقراطية" التي تهيمن عليها "YPG"، وبررت "الوحدات" حينها الحملة بأنها نتيجة خطأ محدود من كتيبة "شمس الشمال" لا يعبر عن "YPG"، ووعدت بمحاسبة المسيئين، إلا أنه لم يتم اتخاذ أي إجراء بحق عناصر وقيادات الكتيبة فيما يتعلق بالتجنيد القسري، وكان موقف الوحدات بحسب مصادر محلية لامتصاص غضب الناس.

يضم مجلس منبج العسكري التابع لـ"وحدات حماية الشعب YPG" اليوم نحو 3500 عنصر بين متطوع ومجند قسراً، جميعهم من أبناء المدينة وريفها، إلا أن قرار المجلس العسكري مرتبط بشكل كامل بـ"وحدات حماية الشعب YPG"، ويتقاضى العنصر في المجلس أجراً يتراوح بين 60 و 100 ألف ليرة سورية، ويختلف الأجر بحسب المكان الذي يتم فرز المقاتل إليه ودرجة خطورته.

لا مجال للتراجع والانسحاب بعد الالتحاق بالقتال !

إبراهيم الغنايمي وشقيقه لم يتجاوزا 15 عاماً من أبناء قرية القشلة المتاخمة لسد تشرين، هرب مع 13 شخصاً آخر من أبناء قريتي من "مجلس منبج العسكري"، يقول لـ NSO: هربت من قريتي في شهر تشرين الثاني من عام 2016، بعد حملة التجنيد التي أطلقها المجلس قبيل سيطرته على المدينة، دفعت مبلغ 200 دولار أمريكي لمهرب أوصلني إلى قرية خربة الجوز بريف إدلب، ومنها دخلت إلى تركيا، لأعود إلى قريتي بعد ستة أشهر عندما توقفت حملات التجنيد.

وتابع الغنايمي : لقد قتل اثنان من أقاربي ممن تم سوقهم للخدمة الإلزامية هما حسين الغنايمي ومحمد الغنايمي، وتم دفنهم في القرية بعد أن سلموا جثمانيهما لذويهما، ولم يقدم " مجلس منبج العسكري" لذويهما أي شيء إلا الوعود، على الرغم من سوء وضعهم المادي، وخاصة أهل حسين الذي لم يتجاوز 17 عاماً.

تجرأ بعض الأهالي في منبج على رفض زج أبنائهم في جبهات القتال، وطلبوا من المجلس العسكري أن يوقف حملات التجنيد، لكن طلباتهم قوبلت بالرفض دائماً، وكانت تواجه بشعارات تضحية وفداء لرفع المعنويات، يحاول من خلالها المجلس الترويج لخطاب "حزب الاتحاد الديمقراطي" وتنظيماته المسلحة، التي تغلب عليها تعابير "التضحية، الفخر والاعتزاز بالشهيد، محاربة التطرف"، وفي بعض الأحيان، تم اعتقال بعض المطالبين بسحب أبنائهم من القتال، واتهامهم بالتعامل مع "داعش"، كما حصل مع جمال الخالد.

جمال رفض تنسيب ابنه صياح البالغ من العمر 16 عاماً قسراً إلى صفوف مجلس منبج العسكري، فتم زجه في سجن عين العرب "كوباني"  بتهمة التعامل مع تنظيم "داعش" في شهر أيلول/سبتمبر من العام الفائت، ليطلق سراحه بعد ستة أشهر في شهر آذار من العام الجاري، وتلقى قبل خروجه تهديداً بإعادة اعتقاله في حال عاود مطالبته بولده او بسحبه من القتال على الرغم من صغر سنه.

يقول جمال لمراسل NSO: لم أشعر بالأسى على الفترة التي أمضيتها في المعتقل، لكنني قلق الآن على ولدي مجهول المصير بعد معركة الطبقة، لقد تحدثت إلى قائده بعد خروجي من المعتقل والتمست منه أن يبعده عن جبهات القتال لصغر سنه، وأبدى لي تفهمه ووعدني بالاستجابة لطلبي، لكن في اليوم التالي اختفى ولدي وانقطع عن الاتصال قبل نحو شهر من الآن، وحتى اليوم لا أعلم ماهو مصيره.

لا تختلف قصة عقيل محمد البالغ من العمر 16 عاماً كثيراً عن قصة صياح، فعقيل انتسب بداية العام الجاري إلى قوات "الآساييش" التي تعمل ضمن المدن ومهمتها بحسب "الإدارة الذاتية" هي  ضبط الأمن الداخلي وهذا ما وعد به قيادي في "الآساييش" والد الطفل، ولكن سرعان ما تبدلت الأمور ليتم زجه في جبهات القتال على الخطوط الأمامية بريف منبج ضد فصائل الجيش الحر، ولدى مراجعة والد الطفل لقيادة ابنه، قالوا له إن ولده هو من طلب الالتحاق بجبهات القتال، ورفضوا طلبه سحب ولده من المناطق الساخنة.

ودأب معارضو حزب الاتحاد الديمقراطي على مطالبته بإيقاف تجنيد الأطفال واستغلالهم في الحرب، إلا أن الحزب لا يلقي بالاً لنداءات معارضيه، ويستمر في ترسيخ فكر "النضال" في أذهان الأطفال في المدارس و"كومينات الأطفال"، ليهيأهم لحمل السلاح في سن مبكر، ثم زجهم على جبهات القتال.

تقارير أممية تدين تجنيد الأطفال في صفوف قوات سوريا الديمقراطية

أصدرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في يوم 13 حزيران/ يونيو الجاري تقريراً دعت فيه التحالف الدولي أن يوضح لقوات سوريا الديمقراطية والقوات الأخرى أن تجنيد الأطفال مسألة غير قانونية حتى لو كان الأطفال لا يؤدون مهاما عسكرية، مع ضرورة تأديب الضباط الذين يسمحون بخدمة أطفال في صفوفهم، وتشجيع القوات على أن تقدم إلى جميع الأطفال الجنود السابقين كل المساعدات الممكنة من أجل التعافي البدني والنفسي والاندماج بالمجتمع، مطالبة دول التحالف بالالتزام علنا بالكف عن التنسيق مع أو مساعدة الجماعات المسلحة التي تجند الأطفال والتي لا تسرحهم من صفوفها. 

وأوضحت المنظمة أنه أثناء إجراء بحوث شمالي سوريا في فبراير/شباط 2014، توصلت "هيومن رايتس ووتش" إلى أنه، ورغم وعود أسايش ووحدات حماية الشعب العام 2013 بعدم استخدام الأطفال تحت سن 18 عاما لأغراض عسكرية، فإن المشكلة مستمرة في صفوف الطرفين.، رغم أن النظام الداخلي لكل من أسايش ووحدات حماية الشعب يمنع استخدام الأطفال تحت سن 18 عاما.


ضرار خطاب

رئيس التحرير، صحفي سوري، عمل كمحرر في الصحافة الإلكترونية منذ عام 2009، وكمخرج منفذ ومعد في عدة أفلام وثائقية منذ عام 2014، خريج كلية التجارة والاقتصاد بجامعة حلب.

شارك هذا المحتوى