NSO

إيجارات خيالية لمنازل جرابلس، النازحون يعانون والمجلس المحلي يعد بضبط السوق

أحد أسواق مدينة جرابلس بريف حلب الشرقي

لم يتمكّن مصطفى حمل أيّ من أثاث منزله وممتلكاته وأرزاقه خلال رحلة نزوحه الثانية، التي حطت به في مدينة جرابلس، شمال شرق حلب، على الحدود مع تركيا، وعلى الرغم من "خسارته الكبيرة" هذه، ورحلة النزوح المضنية، إلا أن ما شغل وقته وتفكيره، عند وصوله جرابلس، هو العثور على منزل يؤويه وأفراد أسرته، بسعر إيجار مقبول، في ظلّ ارتفاع أسعار إيجار المنازل هنا وقلة العرض.

مصطفى من أبناء بلدة دير حافر، شرق حلب، نزح للمرة الأولى إلى مدينة الخفسة، عندما هاجمت "قوات الأسد" بلدته، وفي غضون شهور، وبشكل مفاجئ وسريع تقدمت قوات النظام إلى الخفسة، وتحت القصف الجوي العنيف لم يستطع مصطفى حمل أيّ من ممتلكاته، ويقول لمراسل NSO: "نزحنا مع عشرات الآلاف من المدنيين إلى مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، لم نتمكن من حمل أي شيء، خسرت سيارة (بيك آب) و29 رأساً من الغنم، كلها استولى عليها عناصر قوات نظام الأسد وسرقوها".

وعند وصول مصطفى إلى جرابلس، لم يجد مراكز لاستقبال النازحين، ما أضطره للإقامة عند أحد معارفه، نازحٌ هو الآخر، وخلال أسبوعين من البحث عن منزل للايجار، وجد الرجل منزلاً مؤلفاً من ثلاثة غرف، إحداها مقفلة، لوجود أثاث صاحب المنزل فيها، بسعر 100 دولار شهرياً.

يقول مصطفى لـ "NSO" مستنكراً: "نحن نازحون ولسنا سياحاً"!

وأضاف:" رغم كل الشرح الذي قدمناه على أننا نازحين وتركنا خلفنا جميع ما نملك، إلا أن أحد أقارب صاحب المنزل أصرّ على المبلغ 100 شهرياً، ولم يكن لدي خيار آخر".
ويعاني النازحون في مدينة جرابلس من الارتفاع الكبير في إيجارات المنازل التي قد تصل إلى 300 دولار شهرياً لمنزل لا تتجاوز مساحته 100 متر، واستغلال بعض أصحابها، مما يشكل عبئاً إضافياً على كاهل النازحين، في ظل الوضع المتردي داخل مخيمات النزوح في المنطقة، وقلة دعم المنظمات الإغاثية.

وفي رحلة نزوح طويلة من الرقة إلى جرابلس صحب أبو عبد العزيز 11 فرداً من عائلته، هرباً من المعارك الدائرة في الرقة، وقصف التحالف الدولي، الداعم لقوات سوريا الديمقراطية.

وتعتبر منطقة ريف حلب الشمالي الشرقي، الخاضعة لسيطرة فصائل الجيش الحر المدعومة من تركيا، ملاذاً لمئات الآلاف من الفارين من ويلات المعارك وقصف الطيران بمختلف أنحاء سوريا ولا سيما الشرقية منها، ويعود ذلك إلى الأمان والاستقرار النسبي فيها، منذ إعلان تركيا انتهاء عملية درع الفرات في 29 آذار/ مارس.


تعنت المالكين يفاقم المشكلة وهجر المنطقة أحد الحلول

يقول أبو عبد العزيز لـ "NSO" الذي كان يعمل فلاحاً بريف الرقة: "عانينا ما عانيناه حتى وصلنا مناطق سيطرة الجيش الحر بريف حلب الشرقي، أقمنا عند أقارب لنا سبقونا بالنزوح إلى جرابلس، وأمام ضيق المكان والإحراج الذي كنا نعاني منه، لم يكن أمامنا سبيل سوى البحث عن منزل لنسكنه".

وخلال بحثه كان يسأل أبو عبد العزيز الباعة والمارة عن منزل فارغ للإيجار، بسبب عدم وجود مكاتب عقارية، وبعد ثلاثة أسابيع وجد منزلاً غير مفروش مؤلفاً من غرفتين ومنتفعاتهما.

مالك المنزل يسكن في مدينة حلب، "كان مصراً على تقاضي 100 دولار كأجر شهري لمنزله، رغم كل المحاولات لحثه على تخفيض الإيجار" يقول أبو عبد العزيز لـ "NSO": يستأجر مالك المنزل شقة مفروشة في حي صلاح الدين بحلب بمبلغ 25 ألف ل.س (حوالي 50 دولار أمريكي).

وعمل أبو العزيز قبل نزوحه فلاحاً في أراض زراعية كان يمتلكها في ريف الرقة، ويساعده حالياً نجله عبدالعزيز في تحمل مصاريف المنزل حيث يعمل في محل تجاري، كما تتلقى العائلة مساعدة يسدون بها إيجار المنزل من شقيق أبي عبدالعزيز الذي يعمل في السعودية.

لا يقل إيجار المنازل في جرابلس عن 100 دولار، لكنه يصل أحياناً لـ 300 دولار للمنزل المفروش، ويربط الأهالي هذا الارتفاع بلقلة البيوت المعروضة للإيجار وكثرة الطلب عليها، بينما يعزوه آخرون إلى "جشع أصحاب المنازل" في ظل غياب ضابط أو رقيب يدير وينظم عملية الإيجارات.

عبد الكريم أبو محمد من نازحي ريف حلب الشرقي لديه زوجة وثلاث بنات بالإضافة لابنه وعائلته، يقول لـ" NSO": استأجرت منزلاً مؤلفاً من أربع غرف ومنتفعات بمبلغ 200 دولار أمريكي، لكن ارتفاع الإيجارات في جرابلس دفعني إلى تأمين كفيل لي في مدينة منبج التي يسيطر عليها مسلحو "قسد"، هناك ساعدني بعض معارفي على تأمين منزل بإيجار 35 ألف ليرة سورية، أي ما يقارب 50 دولار أمريكي.

كما ويعاني النازحون من زيادة أسعار الإيجار مع الزمن، إذ درجت العادة عند اغلب مالكي البيوت المؤجرة إلى طلب زيادة سعر الإيجار كل فترة سواء بشكل مباشر أو عن طريق طلب إخلاء المنزل بذريعة الحاجة إليه.

 

الإيجارات في ارتفاع مستمر

وهذا ما جرى مع أبو عبد الله الذي استأجر منزلاً عقب تحرير مدينة جرابلس بفترة وجيزة بمبلغ 35 ألف ليرة سورية، لكنه بات يدفع الآن 150 دولار، حسب قوله لـ "NSO".
وكذلك الأمر مع أبو عمر الذي كان يدفع مبلغ 30 ألف ليرة اجار منزل مؤلف من أربع غرف على أطراف المدينة في منطقة لم يصلها التنظيم بعد، بات يدفع مبلغ 100 دولار بعد مطالبات صاحب المنزل بزيادة الأجر، وقبل بهذا المبلغ لمدة أربع شهور، مؤكداً أنه لن يقبل بعد ذلك بنفس الأيجار لأن هنالك من عرض عليه مبلغ 250 دولار أمريكي لاستئجار الشقة.

وفي مقابل استمرار تدفق النازحين إلى المنطقة، فإن أسعار إيجار المنازل تأخذ في الازدياد بشكل مستمر، الأمر الذي يزيد معاناة النازحين ومتاعبهم أكثر فأكثر.
وانتشرت في الآونة الأخير ظاهرة بناء الملحقات وبخاصة في الأحياء الواقعة على أطراف المدينة بهدف تأجيرها، وغالباً ما تكون تلك الملحقات عبارة عن غرفة تتبع لها دورة مياه دون إكساء.

صاحب أحد هذه الملحقات في الحارة الجنوبية، بنى ثلاثة محال تجارية، وحولها مستودعات تصلح أن تكون غرف للسكن، لا تتجاوز مساحة الغرفة منها 24 متراً، ويصر على تقاضي مبلغ 30 ألف ليرة سورية كأيجار شهري لكل غرفة.


وعود من المجلس المحلي بحل الأزمة

وتراجع المجلس المحلي في مدينة جرابلس في شهر آب الفائت عن قرار حدد فيه سقفاً لإيجارات المنازل داخل المدينة بعد ساعات من إصداره، وحدد القرار الملغي إيجار الغرفة بـ35 دولار أمريكي منوهاً إلى ضرورة تسجيل عقد الإيجار في المجلس المحلي، ووعد المجلس بالعمل على تشكيل لجنة تخمين تنفذ دراسة ميدانية موسعة لتنظيم عمليات إيجار العقارات في المدينة.

ويقول رئيس المجلس المحلي لجرابلس عبد خليل إن أزمة السكن في المدينة تفاقمت جراء تدفق النازحين الذين وصلوا منذ تحرير المدينة من داعش، ومازالوا يتوافدون نتيجة ما تتعرض مناطقهم من قصف واشتباكات، ونسعى إلى حلها عبر تشكيل لجنة تخمين خاصة بالإيجارات تأخذ بعين الاعتبار عدة نقاط مثل حداثة البناء وموقعه وسعته والخدمات المتوفرة.

فيما يرى المحامي محمود العلي أن تحديد سقف للإيجارات ينبغي أن يتم بإشراف لجنة مختصة، ضمن ضوابط تأخذ بعين الاعتبار حداثة البناء وتجهيزاته ومكان المسكن.
ويرى المحامي العلي أمام المجلس فرصة لحلة تلك الازمة بطريقة أفضل من تحديد سقف للإيجارات، فالمجلس لديه دخل يومي كبير وأراض عامة بمساحات واسعة، بإمكانه استخدامها في بناء شقق سكنية جديدة وتأجيرها بأسعار مقبولة، وبذلك يرتفع العرض وربما يكفي الطلب على المساكن، وفي حال عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية، يمكن الاستفادة من هذه المباني في شؤون أخرى.

وتضم مدينة جرابلس أربعة مخيمات وتجمعات عشوائية للنازحين، تؤوي بحسب إحصاءات المكتب الإغاثي في المجلس المحلي لمدينة جرابلس نحو 30 ألف مدني، يتوزعون على مخيم الجبل الذي يقع غربي جرابلس، ومخيم زوغرة قرب قرية زوغرة غرب جرابلس بنحو 20 كم، ومخيم الملعب داخل مدينة جرابلس، ومخيم عين البيضة جنوب المدينة قرب قرية عين البيضة، إضافة إلى أكثر من 10 تجمعات عشوائية لمخيمات تضم عائلات مقربة من بعضها.


غرفة غير مجهزة وغير مكسية مساحتها أقل من 20 متر مربع تطل على شارع غير معبّد في جرابلس، يبلغ إيجارها 30 ألف ليرة سورية، أي نحو35 دولار أمريكي

 

 


نزار حميدي

خريج كلية الحقوق بجامعة حلب، مراسل ريف حلب الشرقي.

شارك هذا المحتوى