NSO

ريف حلب الجنوبي، معارك وتفاهمات على طرفي "سكة الحجاز"، وظروف إنسانية صعبة

توزع سيطرة القوى العسكرية على طرفي "خط الحجاز" الحديدي

يعتبر ريف حلب الجنوبي أكبر أرياف محافظة حلب، وأكبر منطقة خارجة عن سيطرة "قوات الأسد" من أريافها أيضا بمساحة تقارب 1200 كم مربع، تمتد من قرية الزربة شمال غربي الريف وبلدة خناصر شرقه إلى قرية بيّوض جنوبه، متصلة ببلدة أبو ظهور شرقي إدلب، ومنطقة الرهجان شرقي حماة.

وكما أن ريف حلب الجنوبي لم يحظَ قبل انطلاق الثورة السورية باهتمام السلطة رغم أهميته الاستراتيجية من حيث المساحات الزراعية الكبيرة في سهوله، والمواقع الجبلية التي باتت مواقع عسكرية لـ قوات النظام وميليشياته وعلى رأسها سلسلة جبال الحص، لم يحظَ باهتمام بعد الثورة أيضا، وبقي مهملاً على الصعيد الإنساني بعدم تقديم الخدمات التي يحتاجها، وعسكرياً بعدم وضع الفصائل ثقلها هناك سابقاً، وبذلك استطاع النظام استعادة السيطرة على مساحات واسعة في القسم الشرقي من الريف عام 2013، وأمّن بذلك ممرَ إمدادِ هو الوحيد الذي يصل مناطق سيطرته بحلب إلى باقي المحافظات.

معارك مستمرة جنوب حلب
تصدّت فصائل عسكرية من الجيش السوري الحر وكتائب إسلامية لمحاولات مستمرة لقوات النظام والميليشيات الأجنبية المساندة لها بالتقدم وسط غطاء جوي "روسي"، نحو القرى التابعة لمنطقة تل الضمان، بعد أن شهدت المنطقة سقوط لعدد كبير من القرى على رأسها "الحويوي، والرشادية، والحجارة" لصالح النظام، وحتى قرى أخرى لصالح تنظيم "داعش" الذي يواصل شنّ عملياته العسكرية جنوب حلب وشرق حماة بهدف الدخول إلى محافظة إدلب المجاورة.

وقال مراسل NSO، إن طائرات حربية تابعة لسلاح الجو الروسي وأخرى تابعة للنظام تستهدف بعشرات الغارات يومياً، معظم البلدات والقرى في ريف حلب الجنوبي الذي تشن عليه عملية عسكرية واسعة منذ أكثر من 40 يوماً، وتركّز قصفها على قرى "رملة، وسيالة، وعبيسان، وبرج سبنة" التي تحاول السيطرة عليها، دون أن تحرز فيها أي تقدم.

وأضاف المراسل نقلاً عن مصدر عسكري من الجيش الحر (فضّل عدم ذكر اسمه)، أن معركة ريف حلب الجنوبي تُدار من خلال غرفة عمليات لقوات النظام بإشراف "روسي - إيراني"، وأن أغلب القوات التي تقاتل في الصفوف الأولى هم ميليشيات "طائفية"، و"شبّيحة" من أبناء الريف الجنوبي ينتمون إلى عشيرتي العساسنة، والبكّارة.

وأشار المصدر، إلى أن للقوات الإيرانية الأثر الأكبر في إدارة المعارك جنوب حلب، وأنها باتت تملك قاعدتين عسكريتين في المنطقة الأولى في "جبل عزان" قرب "معامل الدفاع" في منطقة السفيرة، والأخرى قريبة من بلدة الحاضر، لافتاً أن هناك مساع "إيرانية" للسيطرة على "مطار أبو الظهور العسكري" في ريف إدلب، وأن تعزّز عسكرياً وتحضّر ميليشياتها وعلى رأسها "الحرس الثوري الإيراني" لشن هجمات عليه منطلقة من مواقعها القريبة في ريف حلب الجنوبي.

"أحرار الشام" تشارك في معارك جنوب حلب
انضمت "حركة أحرار الشام" الإسلامية إلى جانب "هيئة تحرير الشام" في معارك ريف حلب الجنوبي، بعد اتفاق جرى بين الطرفين وقضى بالإفراج عن المعتقلين لدى الجانبين، ورد الحقوق، وإعادة العتاد، كما أنهم أعدّوا لاتفاق "مبدئي" حول إدارة معبر "باب الهوى" الحدودي مع تركيا غرب إدلب.

وقال مراسل NSO، إن "هيئة تحرير الشام" أفرجت عن بعض قادة ومقاتلي "حركة أحرار الشام" وهم أربعة من أصل سبعة، كما استعادت بعض مواقعها ومقراتها التي سبق واستولت عليها "الهيئة" عند هجومها على مواقع "الحركة" وأخرجته بشكل كامل من إدلب المدينة ومن معبر "باب الهوى" (أكبر معاقل الحركة سابقا)، إلّا أن "الحركة" ما تزال تسعى للإفراج عن "أبو عزّام سراقب" نائب قائد "قطّاع البادية"، واستعادة جميع أسلحتها التي صادرتها "الهيئة".

وأضاف المراسل، أنه بالنسبة لمعبر "باب الهوى" تم الاتفاق على أن تكون إدارته موزّعة بين فصائل "هيئة تحرير الشام، وحركة نور الدين الزنكي، وأحرار الشام، وجيش الأحرار (المنشق من "تحرير الشام" التي انضم إليها بعد انشقاقه سابقاً من "أحرار الشام")"، لافتاً في الوقتِ عينه، أن "أحرار الشام" بدأت بإعادة هيكلة صفوفهما، وإنشاء قوة مركزية قوامها 1500 مقاتل بعد أن كانت مئة مقاتل حين هجوم "تحرير الشام".

وأشار المراسل، أن "أحرار الشام" وعقب الاتفاق مع "هيئة تحرير الشام"، تسلمت عدداً من المواقع ونقاط التماس في مواجهة قوات النظام بريفي حماة الشمالي والشمالي الشرقي، والتي انسحبت منها قبل عدة أشهر بعد هجوم "تحرير الشام" التي داهمت مقراتها واعتقال مقاتليها وصادرت سلاحها، وأن "الحركة" بدأت بالتنسيق مع الفصائل المنتشرة شرق حماة.

من جانبهم قال ناشطون، إن "أحرار الشام" لم تزج بعد بكامل ثقلها في ريف حماة، وأن مشاركتها الحالية تتناسب مع تحقيق البنود التي توصلت إليها مع "تحرير الشام"، وأن تطبيق بقية بنود الاتفاق، كفيل بتوسيع انتشار "الأحرار" في الجبهات ليشمل ريفي إدلب وحلب الجنوبي، إضافة لتكثيف تواجدها بشكل أكبر في جبهات ريف حماة.

الوضع العسكري والتفاهمات الدولية شرقي "سكّة الحجاز"
شهد القسم الشرقي مما يُسمّى منطقة "سكة الحجاز" (سكة حديد قديمة تصل تركيا بالمدينة المنورة في السعودية مروراً بمحطات رئيسية في حلب ودمشق) في ريف حلب الجنوبي، خسارة عدد كبير من القرى لصالح "قوات الأسد" منذ مطلع كانون الأول الجاري، نتيجة القصف الجوي والمدفعي والصاروخي المكّثف تزامناً مع هجمات متواصلة للنظام والميليشيات "الطائفية" من محاور متعددة، كانت "هيئة تحرير الشام" تحاول التصدي لها بمفردها مع تواجد طفيف لمقاتلين تابعين للجيش الحر.

وخلال الأيام القليلة الماضية تدّخلت إلى جانب "تحرير الشام" في معارك جنوب حلب "حركة أحرار الشام" إضافة لفصائل من الجيش الحر على رأسها "جيش النصر، والفرقة 23" وبعض الكتائب الصغيرة من أبناء المنطقة، ما أدى إلى تغييرات طفيفة في الخارطة العسكرية، تمثّلت بإعادة انتشار أجرتها الفصائل على كامل خطوط التماس ساهمت في تثبيت الخارطة، رغم مواصلة النظام تكثيف الهجمات البرية والجوية.

وقال مراسل NSO نقلاً عن مصدر عسكري، إن تدخل الفصائل إلى جانب "تحرير الشام" وإعادة الانتشار "المتماسك" على خطوط التماس، جعلها تستلم زمام المبادرة بشن هجمات وعمليات تسلل إلى مواقع النظام والميليشيات المساندة له، بدلاً من الاكتفاء بصد محاولات تقدم النظام.

وأضاف المصدر، أن هذا التدخّل دفعهم إلى تكثيف عمليات التصدي لجميع محاولات تنظيم "داعش" الذي يشنها على منطقة جنوب حلب منطلقاً من مواقعه شرق حماة، والعمل على شن هجمات معاكسة لاستعادة المناطق التي سيطر عليها في وقت سابق، لافتا إلى تحضيرات عسكرية قريبة تهدف إلى دحر "التنظيم" في مناطق سيطرته شرق حماه والقضاء عليه بشكل كامل.

على الصعيد السياسي العسكري فيما يتعلق بـ "سكة الحجاز"، رجّح مصدر عسكري خاص لـ NSO (فضّل عدم الكشف عن اسمه)، وجود تفاهم دولي لتقاسم شطري "السكة" على أن يخضع القسم الشرقي منها (ويشمل أجزاء من ريفي حلب الجنوبي والغربي، وريفي إدلب وحماة والشرقيين) للنفوذ الروسي وتديره عشائر موالية للنظام من أبناء المنطقة، فيما يخضع القسم الغربي منها (يشمل الطريق الدولي حلب - دمشق قرب مدينة سراقب) للنفوذ التركي، مشيرا أن هذه "التفاهمات" تظهر ترجمتها الآن من خلال العملية العسكرية الكثيفة لروسيا والنظام على المنطقة.

وأرجع المصدر هذه "التخمينات" نتيجة عجز "الروس" والنظام بالسيطرة على الطريق الدولي حلب - دمشق، وأن السيطرة على "سكة الحجاز" إضافة للطريق البري الموازي للسكة، ربما يكون خياراً بديلاً وإضافياً للنظام عن طريق "إثريا - خناصر" (الممر الوحيد لوصل مناطق سيطرته بحلب)، منوهاً أن النظام يستغل عدم تثبيت الحدود ونقاط المراقبة الفعلية بين الدول الضامنة لمحادثات "أستانة" (روسيا، تركيا، إيران) حول اتفاق "تخفيف التصعيد" في إدلب، وأن ذلك ربما يضمن للنظام التقدم بقوة شرقي "سكة الحجاز" والوصول إلى "مطار أبو الظهور".

ريف حلب الجنوبي منطقة "منكوبة"
يعيش أبناء ريف حلب الجنوبي أوضاعاً مأساوية وصعبة، منذ سيطرة قوات النظام على أهم الطرق والمواقع الاستراتيجية التي شكّلت عائقاً كبيراً في إيصال المساعدات الإنسانية إليه، كما أدت موجة النزوح الكبيرة التي شهدها الريف، نتيجة عمليات النظام العسكرية وارتكابه مجازر عديدة في عدد من مناطقه عام 2013، إلى زيادة الأوضاع سوءً.

في سلسلة جبال الحص القريبة من "معامل الدفاع" بمنطقة السفيرة وقرى بلدة تل الضمان بالريف الجنوبي الذي كان يقطنه نحو 350 ألف شخص، نزح قرابة 150 ألف شخص خلال 50 يوماً من القصف الجوي والصاروخي والمدفعي المكثّف على المنطقة، إلى مناطق أكثر أمناً في ريف حلب الغربي وأخرى في إدلب.

وقال الناشط في ريف حلب الجنوبي "أحمد أبو معاوية" لمراسل NSO، إن تعرض بلدات وقرى ريف حلب الجنوبي لحملة عسكرية شرسة من قوات النظام تزامناً مع قصف جوي "روسي"، أدى إلى دمار البنية التحتية للريف بشكل شبه كامل، ما دفع بآلاف السكّان إلى النزوح رغم صعوبة التنقّل نتيجة استمرار القصف على كامل المنطقة وتضرر الطرقات.

وأضاف "أبو معاوية"، أن حركة النزوح تركزت في بلدات وقرى "تل الضمان، وجب عليص، وأم العمد، وأم خان، ورملة، ومعيزيلة، واعبد، وجب المخفي، وجب أبيض، وأبوتينة، والبياعية، والمنطبح" وغيرها من قرى المنطقة، لافتاً أن نسبة الدمار تقدر بـ 60 بالمئة جراء القصف الذي أدى إلى تدمير 15 مدرسة وخمسة مساجد، والكثير من النقاط الطبية والمنشآت الخدمية الأخرى، إضافة لأضرار كبيرة في منازل وممتلكات المدنيين.

على خلفية حجم الدمار وموجة النزوح الكبيرة التي شهدها ريف حلب الجنوبي نتيجة الحملة العسكرية لقوات النظام، أعلن ناشطون وهيئات مدنية، أن بلدات وقرى ريف حلب الجنوبي "منطقة منكوبة"، داعين الأمم المتحدة لـ "تحمل مسؤولياتها"، وذلك خلال بيان ألقاه الناشطون عبر وقفة احتجاجية في بلدة تل الضمان.

وجاء في البيان، أن القصف الجوي الروسي العنيف والمستمر، والمدفعي والصاروخي لقوات النظام والميليشيات المساندة لها، طالت البنى التحتية والمدارس والمساجد والنقاط الطبية في بلدات وقرى ريف حلب الجنوبي، كما أنه استهدفت مراكز الدفاع المدني ومنازل المدنيين، ما أدّى إلى تهجيرهم، مطلقين وسماً باسم "الريف الجنوبي منطقة منكوبة".

ريف حلب الجنوبي "المنسي" إلّا من المعارك والقصف، والذي يُقال عنه بأنه مصنّف ضمن قائمة أفقر المناطق في العالم، ما يزال بعيداً عن أي اهتمام - كان كذلك قبل الثورة وبقي كذلك بعدها -، ولم يتصدّر يوماً مشهد تقديم الخدمات وإعادة الحياة إلى بلداته وقراه رغم أهمية الريف الاستراتيجية على اعتباره أيضاً مفتاح مدينة حلب، ولكنه يتصدر المشهد كل مرة من خلال العمليات العسكرية التي يشهدها، وخاصة أنه بات الآن عقدة تفاهمات دولية حول تقاسم النفوذ بين شطري "سكة حديد الحجاز".


جمعة علي

مراسل ريف حلب الغربي

شارك هذا المحتوى