NSO

نازحو ريفي إدلب وحماة، نزوح متكرر وإهمال من المسؤولين واستغلال في مناطق إقامتهم

شاحنة تقل نازحين وأمتعتهم من ريف إدلب الجنوبي قرب مدينة كفرنبل

 

 

مع استمرار الحملة العسكرية التي تشنها "قوات الأسد" والميليشيات المساندة لها، بدعم جوي من الطائرات الروسية على ريفي حماة الشرقي والشمالي وإدلب الجنوبي، تزداد أعداد النازحين من هذه المناطق بشكل كبير، بحثا عن ملاذ آمن، ما يضطرهم للإقامة في مناطق تخلو من أي نوع من الخدمات.

وتسببت الحملة العسكرية التي يشنها النظام على المنطقة، بنزوح آلاف العائلات، دون وجهة محددة، حيث بات معظمهم دون مأوى، ما يجبر كثيرين منهم على المبيت في العراء رغم الطقس البارد خلال الشتاء.

 

آلاف العائلات النازحة تتوزع في إدلب دون وجود إحصائيات دقيقة

وصلت آلاف العائلات من قرى ريف حماة الشرقي ومناطق سنجار وريف معرة النعمان الشرقي والقرى القريبة من مدينة خان شيخون إلى المناطق الحدودية في بلدات قاح وأطمة، كما توزع عدد منهم على القرى والبلدات التي تعتبر أقل عرضة للقصف، في الوقت الحالي على الأقل.

ويقول المنسق العام للاستجابات للعاجلة للنازحين والتنسيق بين المنظمات العاملة في الشمال السوري، محمد جفا، لـ "NSO" إنهم أحصوا حتى الآن نزوح نحو 8469 عائلة إلى بسبب الحملة العسكرية والقصف المستمر، لافتا أن هذه الأعداد لا تشمل جميع العائلات، لأن أعداد النازحين باتت خيالية بسبب النزوح المستمر من عدة مناطق في ريف حماة وإدلب.

ويضيف "جفا" أن السبب في وجود هذه الأعداد الكبيرة من النازحين، هو نزوح قرى وبلدات كانت تؤوي نازحين من مناطق أخرى أساسا، وخاصة منطقة سنجار التي كانت تحوي أكثر من مئة ألف نازح سابقا، إلا أن الأهالي والنازحين اضطروا لمغادرتها بسبب القصف المتواصل.

وأشار "المنسق العام" أن قوات النظام تستمر بقصف منطقة محددة حتى ينزح سكانها منها إلى منطقة أخرى، ثم تنتقل بعد ذلك لقصف مناطق أخرى بغية إفراغها من سكانها، ما يؤدي لتنقل النازحين بشكل دائم وازدياد أعدادهم يوميا.

ولفت "جفا" أن هذا النزوح جاء بشكل مفاجئ، لافتا أن المنظمات الإنسانية تقوم عادة بجرد مستودعاتها عند نهاية العام، بهدف وضع خطط ومشاريع قادمة في العام الجديد، إلا أن تزايد أعداد النازحين بعد بداية العام الحالي، يحتاج تدخلا من منظمات أممية للتهامل مع كل هذا الكم الهائل من النزوح، محذرا من كارثة إنسانية وشيكة.

بدوره قال المسؤول في قسم إحصاء النازحين، محمد الزيدان لـ "NSO" إن مخيمات تجمع السلام وحدها تضم 152 عائلة نازحة، تتوزع على مخيمات "النصر والميدان والخليج العربي والسلام"، بينما يضم تجمع "لأجلكم" 54 عائلة تتوزع على مخيمي "النواعير وشهداء الحرية"، فيما تتواجد 291 عائلة في مخيمات الكرامة وتتوزع على مخيمات "الحرمين والأقصى وطيبة وعدة مخيمات أخرى" حيث تقع هذا المخيمات في منطقة أطمة الحدودية مع تركيا.

وأشار "الزيدان" أن العدد الإجمالي للنازحين المسجلين حتى الآن، هو 2590 عائلة، تتوزع في مخيمات أطمة وسرمدا، لافتا أن عمليات إحصاء النازحين ما تزال مستمرة، إذ يتوقع وصول المزيد من تلك العوائل في ظل استمرار الحملة العسكرية التي يقوم بها النظام على قراهم.

وحول توزع النازحين في مناطق أخرى من محافظة إدلب، يقول "الزيدان" إن نحو 278 عائلة نازحة تتوزع في منطقة جبل الزاوية بين قرى كنصفرة وأحسم والبارة وعين لاروز ومعراته وجوزف وبليون وقرى أخرى، بينما تتوزع نحو 1500 عائلة في تجمع قرى بابيلا، و288 عائلة في إدلب المدينة، إضافة لوجود 347 عائلة في قرى جسر الشغور، مشددا أن هذه الأرقام تمثل جزءا من النازحين، لأن عمليات الإحصاء ما تزال مستمرة.

 

معاناة مستمرة لعشرات آلاف النازحين واستغلال في مناطق نزوحهم

يعاني النازحون من ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي والشرقي، نتيجة عدم توفر خيام أو وقود للتدفئة حيث يضطرون للإقامة في بيوت مهجورة وغير صالحة للسكن، فيما أنشأ بعضهم خيما بسيطة من مواد بدائية، لتقيهم الطقس البارد خلال الليل، بينما تقتصر غالبية المساعدات التي يحصلون عليها، على ما يقدمه لهم أهالي القرى التي نزحوا إليها.

الحاجة هيومة الياسر (57عاماً) نزحت مع عائلتها من قرية ربدة في ريف حماة الشرقي إلى منطقة جبل الزاوية، تقول لـ "NSO" إن هذا النزوح هو الثاني لهم خلال شهر واحد، بعد نزوحهم من حماه إلى قرى سنجار واستقرارهم ضمن مخيمات هناك، لتبدأ الطائرات بعدها باستهداف المنطقة بشكل مكثف ما اضطرهم للنزوح ثانية.

وتبدي الحاجة "هيومة" خشيتها وخشية بقية النازحين من استمرار الحملة العسكرية واستهداف بقية المناطق في محافظة إدلب، قائلة إنهم لم يعودوا قادرين على النزوح مرة أخرى، حيث يحتاج النزوح لمصاريف كبيرة لا يستطيع معظم الأهالي تأمينها، لافتا أن غالبيتهم لا يملكون سوى بعض المواشي التي يبيعونها لتأمين قوت يومهم.

وناشدت "الحاجة" جميع الجهات المسؤولة والمنظمات الإنسانية أن تؤمن لهم خيما بشكل عاجل لأن معظم العائلات الواصلة إلى المنطقة تقيم منذ أيام في العراء تحت الأمطار بسبب عدم توفر الخيام إضافة لعدم توفر المحروقات ووسائل التدفئة أو المواد الغذائية والطبية.

من جهته لفت محمد الإسماعيل (45 عاماً) النازح أيضا من قرية ربدة شرق حماة إلى صعوبة تأمين منازل للسكن بسبب ارتفاع الإيجارات، قائلا إن إيجارات البيوت في منطقة سرمدا تتراوح بين 75 و100 دولار أمريكي شهريا، كما أن بعض المنازل تصل إيجاراتها إلى 200 دولار، حسب مساحة المنزل وموقعه، مضيفا أن كثيرا من أصحاب المنازل يطلبون دفع إيجار ستة أشهر سلفا.

واشتكى "الإسماعيل" من وجود حالات استغلال كبيرة في المناطق التي نزحوا إليها، قائلا إن ازدياد أعداد النازحين أدى لزيادة إيجارات البيوت، حيث أن المنازل التي كانت تؤجر بحوالي 40 دولاراً للمنزل الواحد قبل موجة النزوح، ارتفعت إيجاراتها بنسبة كبيرة تتجاوز الضعفين بعد الإقبال الكثيف على تلك المنطقة كونها بعيدة نسبياً عن المعارك وقصف قوات النظام.


استغلال للنازحين ومطالبات للجهات المعنية بالتدخل

مع وصول آلاف النازحين إلى محافظة إدلب، وحاجتهم الماسة إلى المساكن، بدأت إيجارت البيوت في المناطق البعيدة عن القصف والمعارك، ترتفع بشكل تدريجي لتصل حاليا إلى نحو عشرة أضعاف الإيجارات القديمة، نتيجة الاستغلال الكبير من قبل المكاتب العقارية وأصحاب المنازل على حد سواء.

يقول صهيب مكحل الذي يعمل في تنسيقية مدينة إدلب، لمراسل "NSO" إن إيجارات البيوت ارتفعت في المدينة بشكل تدريجي من 5 آلاف ليرة سورية، لتصل إلى أكثر من 50 ألف ليرة تبعا للمنطقة ونوع أثاث المنزل والظروف الأمنية في المدينة.

ويضيف "مكحل" أن النازحين يعانون من "استغلال أصحاب المكاتب العقارية وجشع مالكي تلك المنازل"، حيث تطلب مبالغ كبيرة لا تتناسب مع ظروف النازحين، لافتا أن عددا من الناشطين في مدينة إدلب طالبوا القوى المدنية والعسكرية في المنطقة بتحمل مسؤولياتها، خاصة "حكومة الإنقاذ" التي تعتبر نفسها الجهة الشرعية الوحيدة المسؤولة عن المنطقة، مشددا على ضرورة العمل بشكل جاد وسريع لمكافحة هذا الظاهرة، والعمل على تأمين مساكن وخيم للعائلات التي تبيت في العراء.

وطالب الناشطون كافة المعنيين في "حكومة الإنقاذ" بإصدار تقارير دورية عن الأعمال التي تقوم بها لمساعدة النازحين، لتكون أمام مسؤولياتها الأخلاقية والإنسانية أمام هذا العدد الهائل من المهجرين المدنيين.

من جانبه قال الدكتور محمد علي عامر وزير الشؤون الاجتماعية والمهجرين في "حكومة الإنقاذ" لـ "NSO" إنهم عملوا بالاشتراك مع المنظمات العاملة في ريف إدلب على بناء مخيمات بشكل عاجل لمساعدة النازحين، رغم ضعف الإمكانيات التي تعاني منها في المجال الإنساني.

وأضاف "عامر" أنهم يبذلون جهودا متواصلة ويقدمون مساعدات من الوزارة لمساعدة النازحين، من خلال استراتيجية يعملون عليها، قائلا إنهم سيكشفون لاحقا عن كافة الجهود التي قامت بها الوزارة في مساعدة النازحين.

مع كل هذه الأعداد الكبيرة، ومع استمرار المعارك والقصف المكثف من قبل النظام وحلفائه، تستمر أعداد النازحين بالتزايد يوميا، كما تستمر معاناتهم لتأمين أساسيات الحياة، وبينما يبحث البعض عن استئجار منزل بسعر مقبول ضمن إمكانياتهم المحدودة، يبحث آلاف آخرون عن مجرد خيمة تقيهم من البرد في الأراضي والحدائق التي حطوا رحالهم فيها، على أمل ألا يضطروا للنزوح مرة ثالثة أو رابعة.

 

خيمة تؤوي نازحين في أراض خالية قرب مدينة كفرنبل بريف إدلب الجنوبي

 

نازحون من ريفي إدلب وحماة في مخيم قاح بريف إدلب الشمالي قرب الحدود مع تركيا


أحمد العكلة

مراسل ريف إدلب

شارك هذا المحتوى