NSO

ميزان "PYD" المائل، قضاء مدينة منبج في تقرير خاص لـ NSO

مقر مجلس العدالة الاجتماعية التابع لسلطة حزب الاتحاد الديمقراطي "PYD" في مدينة منبج بريف حلب الشرقي

تعاقبت على مدينة منبج في شمال شرق حلب، سلطات وإدارات عدة منذ سيطرة فصائل "الجيش الحر" عليها في شهر تموز عام 2012 بعد معارك مع قوات النظام، مرورا بسيطرة تنظيم "داعش" عليها مطلع عام 2014 وطرده منها بعد نحو عام ونصف على يد "قوات سوريا الديموقراطية - QSD" التي يهيمن عليها حزب الاتحاد الديمقراطي "PYD"، والتي ما زالت تسيطر على المدينة حتى الآن.

وبعد طرد تنظيم "داعش" من مدينة منبج في شهر آب عام 2016، أنشأت "قوات سوريا الديموقراطية" محكمة في المدينة سميت "هيئة العدالة الاجتماعية" افتتحت رسمياً في كانون الأول من العام 2016، وخصصت للنظر في القضاية المدنية التي تحصل في المدينة كجرائم القتل وتجارة المخدرات وحصر الإرث، وكافة القضايا المدنية الأخرى، كما سنّت "الإدارة المدنية الديمقراطية" التي فرضها حزب "PYD" قوانين جديدة في المدينة، بعضها مكتوب ومعلن، وبعضها الآخر سرى كعرف دون إقراره أو الإعلان عنه.

وتتألف محكمة "الإدارة المدنية الديمقراطية" التابعة لحزب "PYD" في منبج من أقسام عدة تشابه في وظائفها أقسام المحاكم العادية لدى النظام، إذ تتألف أولا من "قسم الادعاء والتحقيق" الذي يضم مكاتب للنيابة العامة والتحقيق وغيرها ويتكون من خمسة أعضاء، ويتكفل بتحويل القضايا إلى الأقسام المختصة بمعالجتها، وأبرزها "لجنة الصلح" التي تتألف من شيوخ عشائر ينظرون في بعض القضايا ويصدرون أحكاما بها، وتضم أيضاً المحكمة هيئة التمييز المكونة من خمسة أعضاء، وهيئة التنفيذ التي تتألف من خمسة أعضاء، وديوان العدالة المؤلف أيضاً من خمسة أعضاء.

ومن أبرز أعضاء لجنة الصلح هزاع الشبلي شيخ عشيرة البطوش، وعبد الرزاق الدملخي شيخ عشيرة الدمالخة، وعواد الشياب وهو أحد شيوخ عشيرة البوبنا، ومحمد إبراهيم الشلاش شيخ عشيرة الغنايم، وتعتبر أحكام هذه اللجنة مدعومة من قبل المحكمة وقوات "الأسايش" وهي الذراع الأمنية لحزب "PYD"، وتعمل في مدينة منبج تحت اسم "قوى الأمن الداخلي".

كذلك يحول "قسم الادعاء والتحقيق" بعض القضايا إلى ما يعرف بـ "ديوان العدالة" والذي يختص بقضايا مثل الزواج والطلاق والخلافات على الإرث أو التنازل عن الأراضي والعقارات والممتلكات أو بيعها وتأجيرها.

وتضم المحكمة أيضا قسما للاستئناف، وتتلخص مهامه بمراجعة الطعون التي يتقدم بها المراجعون اعتراضا على أحكام صادرة سابقاً، كما تضم صندوقا لدفع المخالفات والرسوم والكفالات، إضافة لمكتب لببيع الأوراق القانونية المطلوبة في المحكمة، كما تضم أيضا قسما خاصاً بالأرشيف.

ويرأس غالبية هذه الأقسام أفراد غير مؤهلين أكاديمياً أو مهنياً لشغل المناصب التي يعينون فيها، حيث حصل NSO على أسماء ومؤهلات بعضهم، أبرزهم علاء الماشي الذي يعمل في ديوان العدالة بعد أن كان في "مجلس الصلح"، وذلك رغم أنه لا يملك أي شهادة جامعية، إلا انّه عُيّن في نظراً لمكانته الاجتماعية، حيث ينتمي إلى عشيرة "البوبنا" إحدى كبرى العشائر العربية في مدينة منبج، وهو ابن محمد خير الماشي الذي كان عضوا سابقا في مجلس الشعب التابع النظام، وجده هو عضو مجلس الشعب المعروف ذياب الماشي.

وبالإضافة إلى علاء الماشي، يعمل أشخاص آخرون في محكمة منبج دون مؤهلات كافية، منهم عبد القادر بطران الذي يشغل منصب قاضي التحقيق في النيابة العامة وهو خريج كلية الحقوق بجامعة حلب، إلا أنه لم يشغل منصبا قضائياً قبل ذلك، ويعمل معه ابن عمه مازن بطران كقاض في النيابة العامة بمنبج رغم أنه لم ينه دراسته في كلية الحقوق بجامعة حلب وتركها بعد السنة الثانية.

عقوبات جائرة، ومجرمون طلقاء

لا تعتمد سلطات حزب "PYD" في تعيين القضاة على معايير مهنية أو أكاديمية محددة، وإنما يتم ذلك في أغلب الأحيان بناء على المحسوبيات او الحظوة الاجتماعية التي يتمتع بها الشخص المرشح لشغل المنصب، أو على أساس الولاء للحزب، وقد أدى ذلك بطبيعة الحال إلى انتشار الرشوى والمحسوبية أيضاً داخل المحاكم، وتمكن مراسل NSO من رصد بعض الأمثلة على هذه التجاوزات.

ومن القصص التي باتت معروفة في المدينة، اعتقال المحكمة شخصا من قرية الفرس، هو حسين الحسن ويلقب بـ "بلعاس" أواخر عام 2016 من قبل أحد عناصر الأمن التابعين لـ "PYD" يعرف باسم "عبدو استخبارات" وهو مسؤول كاميرات المراقبة التي نشرتها "قسد" في المدينة، وكانت تهمته تحويل أموال إلى مناطق سيطرة تنظيم "داعش" عبر محل الصرافة الذي يملكه في مدينة منبج.

ورغم عدم إدانته بعد التحقيق، إلا أنه بقي محتجزا حتى تدخلت وساطات للإفراج عنه أبرزها الشيخ عواد العجوز وهو أحد مشايخ عشيرة البوبنا التي تعتبر من أكبر عشائر منبج، وقضت المحكمة بتغريمه بمبلغ 150 ألف دولار، ثم وافقت على تخفيضها لاحقا الى 50 ألف دولار بسبب عجز "البلعاس" عن تأمين المبلغ الأول، وأدلى الرجل للمحكمة بمعلومات عن الأشخاص الذين أجروا عمليات تحويل إلى مناطق التنظيم عن طريقه.

وعلى عكس "البلعاس"، أفرجت المحكمة عن أشخاص كانوا محتجزين لديها رغم إثبات تورطهم ببعض القضايا، ومنهم أشخاص متورطون في تجارة المخدرات أبرزهم مصباح حمشو وحسن نانو وأبو عمر تلجبيني الذي يملك محل حلويات في المدينة للتغطية على عمله بتجارة المخدرات، وقد تم إلقاء القبض على هؤلاء خلال حملة أطلقتها قوات "الأسايش" في كانون الثاني الفائت ضد تجار المخدرات والأدوية الممنوعة في المدينة.

وبحسب مصدر مطلّع على القضية التقى به مراسل NSO في منبج، فقد عثرت "الأسايش" عند "أبو عمر تلجبيني" على نحو 500 غرام من الهيروئين، إضافة لكميات من الحشيش والأدوية المخدرة كالترامدول و البروغيتارة، وبعد اعتقاله مع بقية التجار بنحو شهر واحد، أطلقت المحكمة سراحهم جميعا بعد تغريم "أبو عمر" بمبلغ 800 ألف ليرة سورية (حوالي 1700 دولار)، وتغريم مصباح حمشو بـ 25 ألف ليرة (حوالي 55 دولار) فقط، على اعتباره متعاطيا فقط، رغم أنه شريك لـ "أبو عمر" في تجارة المخدرات بحسب المصدر ذاته.

ولفت مراسل NSO في منبج، أن هؤلاء التجار عادوا إلى عملهم السابق بتجارة المواد المخدرة بعد إطلاق سراحهم، ما أثار انتقادات الأهالي ضد المحاكم وطريقة عملها، وتساهلها مع تجار الحشيش والمخدرات، وعزا مصدر من "الإدارة الذاتية الديمقراطية" ذلك التساهل إلى ضلوع قيادات من "PYD" في شراكة تجار الحشيش والمخدرات في المنطقة.

وكان فريق NSO قد أنجز تقريراً قبل نحو عام، تناول فيه العلاقة بين بعض تجار "الحشيش والخدرات" ومسؤولين في حزب "PYD" الذي يتحكم بـ"الإدارة المدنية الديمقراطية" في مدينة منبج.

*حقوق المدنيين تضيع بين قوانين النظام وتنظيم "داعش"

أصدر تنظيم "داعش" عددا من القرارات خلال الفترة التي سيطر فيها على مدينة منبج، من بينها قانون يتعلق ببيع العقارات وإثبات ملكيتها، يخالف القانون الذي كان سائدا في فترة حكم نظام الأسد، ما أدى لضياع حقوق بعض المدنيين، دون ان يتمكنوا من استردادها بعد سيطرة "PYD".

وقسّم القانون السوري خلال حكم نظام الأسد عمليات بيع العقارات وخاصة المحال التجارية إلى نوعين، فإما أن يتم بيع المحل التجاري بشكل كامل مع نقل ملكيته في المحاكم للمشتري وهو ما يعرف بالبيع القطعي أو الفروغ، او أن يتم بيع المحل بمبلغ أقل من قيمته الحقيقية على أن تبقى ملكيته باسم صاحبه الأصلي، مقابل أن يدفع المشتري مبلغا يعتبر قليلا نسبيا بشكل شهري للبائع، وهو ما يعرف بعقد الاستئجار غير المحدود.

وبعد سيطرة تنظيم "داعش" على المدينة أصدر قرارا يقضي بمنح حق ملكية العقار إلى الشخص الذي يحمل إثباتاً لملكيته، حتى وإن كان قد باعه بعقد استئجار غير محدود سابقا في ظل حكم نظام الأسد وما قبله.

وأفاد مراسلنا أن الكثير من الأهالي كانوا قد اشتروا محال تجارية منذ نحو 70 عاما أو أكثر من مالكين "شركس" كانوا يقطنون في المدينة بعقود استئجار غير محدود، إلا أنهم باعوها وغادروا إلى أماكن عدة كحلب ودمشق وردعا وغيرها، لافتا أن عقود البيع هذه كانت تبقي الملكية مسجلة باسم المالك الأصلي.

وبعد إصدار "داعش" قانون الملكية الجديد، قام أحد الأشخاص ويدعى أنس أدرة الملقب بـ "أبو درة" من قرية الدوشان التابعة لمنبج، بتتبع أثر بعض الشركسة من ورثة هذه المحال التجارية في المدينة، والذين ما تزال عقود الملكية عائدة لهم، حيث عثر عليهم واشترى المحال منهم بأسعار متدنية، وقام بتثبيت العقود لدى محاكم نظام الأسد بعد تسجيل تاريخ بيع قديم يعود إلى أكثر من عشر سنوات، ثم عاد "أبو درة" إلى مدينة منبج وطالب بملكية هذه المحال على أنه تعود له منذ مدة، وتمكن من الحصول عليها.

وبعد خروج "داعش" من المدينة عادت المشاكل من جديد وبدأ أصحاب المحال يطالبون بحقوقهم لدى محكمة منبج التابعة لـ "الإدارة المدنية الديمقراطية"، ومن بينهم شخص يدعى "الحج علي كذيلة" الذي كان يملك محال في السوق المسقوف، وخسر أحدها خلال هذه العملية، تبلغ قيمته نحو 300 مليون ليرة سورية أي ما يعادل تقريباً 640 ألف دولار أمريكي، ورغم امتلاكه أوراقا تثبت شراء المحال من أصحابها بعقود استئجار غير محدود، إلا أن المحكمة لم ترد إليه أملاكه حتى الآن، كما أنه حاول إعادة شراء المحال مرة أخرى من "أبو درة" دون أن ينجح في ذلك.

وقال مراسل NSO في المدينة إن اثنين من أبناء "أبو درة" تطوعا في صفوف أجهزة الاستخبارات التابعة لـ "YPG" فور سيطرتها على مدينة منبج، ما منحه سلطات إضافية استطاع استغلالها لمنع إصدار قرار ضده في المحكمة، كما هاجم أبنائه محل "الحج علي كذيلة" وأطلق النار على أحد أبنائه وإصابته، إلا أن المحكمة قضت بإطلاق سراحه بعد بضعة أيام دون إدانته.

يشير الأهالي في مدينة منبج إلى عدم إمكانية تقديم شكاوى لأي جهة بخصوص هذه التجاوزات، قائلين إن من يتقدم بشكوى ضد شخص مسؤول أو صاحب علاقات قوية مع القياديين في "PYD " و "قسد" يمكن أن تنقلب الدعوى ضده، وأن يتم توجيه اتهامات له بالتعاون بين المحكمة والمدعى عليهم، ما يمنع كثيرا من الأهالي من تقديم شكاوى للمحكمة، مكتفين بانتظار إيجاد حل ما يعيد إليهم حقوقهم.
 

رأي قانوني
عضو مجلس القضاء السوري القاضي إبراهيم الحسين، الذي عمل كقاض في محكمة البداية المدنية في دير الزور والمالكية، يقول لـNSO إن شروطاً عديدة يجب أن تتوفر في الشخص قبل تعيينه كقاض، أهمها أن يكون حائزاً على إجازة في الحقوق وأن يكون متفرغاً لعمله دون ممارسة أي مهنة أخرى باستثناء التدريس في كليات الحقوق، كما ينبغي أن يتمتع الشخص بخبرة لا تقل عن 22 عاماً إذا كان التعيين في وظيفة معاون قاض، وتزيد مدة الخبرة المطلوبة بتصاعد المنصب الوظيفي، كما يتوجب أن يخضع الشخص للتدريب في المعهد العالي للقضاء، إلى جانب شرط عدم انخراطه في العمل الحزبي والسياسي، وهي شروط موجودة تقريباً في كل دول العالم، نظراً لأهمية السلطة القضائية والدور الحساس الذي يلعبه القاضي في المجتمع.

ويرى القاضي الحسين أن تعيين القضاة على أساس المحسوبيات ودون التمتع بالخبرة اللازمة، يمكن أن يجر تبعات خطيرة على المجتمع، وأشار إلى النموذج السوري في اختيار القضاة، حيث يجري اختيارهم بناء على المحسوبيات والولاءات الحزبية، وبحسب الحسين، يمكن القول أن فساد القضاة وافتقادهم للخبرة والكفاءة يمكن أن يؤدي إلى فساد القضاء وانعدام ثقة الشعب به، وقد يؤدي ذلك إلى تكريس الاستبداد لأن السلطة القضائية إن لم تكن مستقلة ونزيهة، بل تتحول إلى تابع للسلطة التنفيذية وأداة من أدواتها التي تستخدمها للسيطرة على الدولة ومقدراتها.


فريق التحرير

من إعداد فريق تحرير NSO

شارك هذا المحتوى