NSO

حارة طي في القامشلي، سوق سوداء للغاز وتلاعب بالمواصفات في تقرير خاص لـNSO

أسطوانات غاز معروضة للبيع في حارة طي الواقعة تحت سيطرة قوات الأسد في مدينة القامشلي شمال سوريا

رغم سيطرة مسلحي حزب الاتحاد الديمقراطي "PYD" على جميع آبار الغاز في محافظة الحسكة، وعلى معمل إنتاج الغاز في منطقة السويدية، إلا أن معظم من المناطق الخاضعة لسيطرتها تعاني من فقدان الغاز وانقطاعه لأيام.

ورغم أن معظم الأحياء الخاضعة لسيطرة "الإدارة الذاتية" في مدينة القامشلي بريف الحسكة تعاني من فقدان الغاز لفترات طويلة، إلا أن حارة "طي" (نسبة لقبيلة طيء التي يشكل أبناؤها معظم سكان الحي) الخاضعة لسيطرة النظام في المدينة، تتوفر فيها كميات تفوق حاجة سكانها من الغاز.

حارة "طي" هي إحدى مناطق مدينة القامشلي، وتقع على أطرافها الجنوبية الشرقية وتتألف من ثلاثة أحياء هي (طي وزنود والمقاسم)، والتي تمتد من دوار الوحدة إلى أسوار "الفوج 154" جنوب شرق القامشلي، حيث تسيطر قوات الأسد عليها بشكل فعلي، ويوجد في الحي مركز لميليشيا "الدفاع الوطني" التابعة للنظام وهو مركز "الليلو" الذي يرأسه عبدالفتاح الليلو، ويتخذ من مدرسة "حسن فاضل" قرب فرن "المهاجرين" مركزا له.
 

* طريق الغاز إلى حارة طي، والتلاعب بمواصفات الاسطوانات

تبدأ عملية تعبئة الغاز في معمل "السويدية" الذي يسيطر عليه مسلحو "YPG" قرب مدينة الرميلان شمال شرق الحسكة، ويُوزع الغاز على المناطق الخاضعة لسلطة "PYD" في المحافظة، إذ تخصص أيام محددة لكل منطقة، وخصصت سطات "PYD" يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع لتوزيع الغاز في مدينة القامشلي، ويتم في كل يوم منهما نقل 1200 اسطوانة من المعمل إلى المدينة، إلا أن نحو 500 اسطوانة فقط هي ما يتم توزيعه على الأحياء.

ينقل الغاز من معمل تعبئة الغاز في السويدية إلى مدينة القامشلي عبر شاحنات مخصصة لذلك، تفرغ حمولتها من اسطوانات الغاز إلى مجالس الأحياء (الكومينات)، حيث يقوم موظفو "هيئة الطاقة" التابعة لسلطة "PYD" بتحديد الأحياء التي سيتم التوزيع عليها في كل دفعة، وفق برنامج مخصص لذلك، إلا أن هذه المرحلة تتضمن تجاوزات يتم خلالها نهب كميات من الغاز المخصص لهذه الأحياء، باتفاق بين المعتمدين واللجنة المشرفة على التوزيع.

وأفاد مصدر مطلع فضل عدم الكشف عن اسمه لـ NSO أن المعتمدين ولجنة الإشراف على التوزيع يتعاونون معا لسرقة كميات من الغاز، حيث يتم تخزين أكثر من نصف عدد اسطوانات الغاز المخصصة لكل حي في مستودعات المعتمدين تحضيراً لإرسالها إلى "حارة طي"، ويوزع النصف الآخر على الأهالي، على أن تتقاضى لجنة الإشراف على التوزيع مبالغ مالية من المعتمدين لقاء التغطية على ذلك.

ويقوم المعتمدون بعد ذلك بالتلاعب بأوزان الاسطوانات عبر نقل بعض الغاز من اسطوانات معبأة الى أخرى فارغة، بشكل ينتهي إلى توحيد الأوزان في جميع الاسطوانات على 23 كغ، ثم يتم إدخالها إلى حارة طي ليلاً عن طريق تجار متعاملين مع المعتمدين باستخدام سيارات صغيرة تقوم بعدة نقلات، أو باستخدام سيارة متوسطة بعد دفع مبلغ 25 ألف ليرة سورية كرشوة لحاجز العويجة أو حاجز دوار الوحدة التابع لمسلحي "PYD"، وإذا كانت الشاحنة كبيرة يتم إدخالها من حاجز مفرق قرية الخزنة التابع للوحدات وبعدها إلى حواجز النظام من قرية حامو ثم الى دوار ذبانة وصولا إلى حارة طي.

وتفيد المعلومات التي حصل عليها NSO أن عددا محدودا من المعتمدين يستطيعون إدخال الغاز إلى الحي، يبلغ عددهم نحو خمسة معتمدين، يعرف ثلاثة منهم هم "رودي" الذي يملك مركز توزيع معتمد في الشارع العام مقابل الكازية، و"عزوز"، و"أبو جميل" الذي يملك مركزا معتمدا في حي العنترية، ويعتبر أول معتمد يدخل الغاز إلى حارة طي.
 

*حارة طي، سوق سوداء للغاز

يتعامل المعتمدون مع تجار داخل الحي، إلا أن أبرز هؤلاء التجار وأكثرهم سلطة هي امرأة تدعى زهرة الجلو من سكان حي المقاسم في حارة طي، وتنتمي إلى قبيلة الشرابين، ويشير الأهالي أنها عندما بدأت عملها كانت تشتري الغاز من "أبو جميل" بكميات قليلة لا تتجاوز 10 اسطوانات يوميا، وتبيعها في حارة طي بأسعار مضاعفة، إلا أن عملها تقدم بعد ذلك وأصبح "أبو جميل" يؤمن لها بين 150 و 200 اسطوانة يوميا، حيث باتت تشتري شاحنات محملة بمئات الاسطوانات من الغاز، وتبيعها في الحي.

ويشير الأهالي أن "زهرة" باتت من أصحاب رؤوس الأموال في المنطقة نتيجة عملها ببيع الغاز، حيث طورت أعمالها وباتت تبيع الخبز والسكر والمازوت، كما أصبحت تتاجر مؤخرا بأعلاف الحيوانات، وذلك بالتعاون مع أبو جميل الذي يشاركها هذه الأرباح.

وأفاد مراسل NSO أن بعض الأهالي في مدينة القامشلي قدموا شكوى ضد "أبو جميل" قبل نحو خمسة أشهر بسبب بيعه الغاز في حارة طي، ما دفع سلطات "PYD" إلى سحب الترخيص منه، إلا أنه ما زال يقوم بإدخال كميات من الغاز إلى الحي عن طريق بعض أصدقائه، حيث أشار بعض الأهالي أن حارة طي باتت تعتبر أشبه بسوق سوداء يستغلها بعض التجار والمتنفذين لبيع بضائعهم بالأسعار التي تناسبهم بعيدا عن الضرائب التي تفرضها عليهم "الإدارة الذاتية".

ويعمل تجار آخرون بتجارة الغاز في حارة طي بالتعاون مع "زهرة" أبرزهم علاء الكيرط وأبو جمعة الحلبي، الذان باتا يسيطران مع "زهرة" على سوق الغاز في الحي، كما أن أعمالهم تطال سكان الأحياء الأخرى، حيث قال أحد تجار الغاز في حارة طي لـ NSO إن معظم زبائنه هم من سكان الأحياء الخاضعة لسيطرة "PYD".

وقال أحد تجار الغاز في حارة طي لـ NSO إن استطاعة معمل السويدية الإنتاجية يمكن أن تغطي حاجات محافظة الحسكة بشكل كامل من الغاز، مع إمكانية التصدير إلى محافظات أخرى، مضيفا أن الأرباح التي يجنيها موظفو "هيئة الطاقة" هي التي تدفعهم للتلاعب بالانتاج، موضحا أنه إذا توفر الغاز بكميات كبيرة في المحافظة، يقوم الموظفون بخلق مشكلة في المعمل ليتوقف عن الانتاج، ما يسبب أزمة جديدة تؤدي إلى ارتفاع أسعاره مرة أخرى.
 

*أكثر من 1500 اسطوانة غاز تباع في حارة طي كل أسبوع

تصل إلى مدينة القامشلي كميات من الغاز تبلغ 2400 اسطوانة في أيام الاثنين والخميس كل أسبوع، يوزع المعتمدون منها نحو 500 اسطوانة على أحياء المدينة الخاضعة لسيطرة "PYD" بينما يرسلون بقية الاسطوانات إلى حارة طي.

وتلزم سلطات "PYD" المعتمدين ببيع الاسطوانة الواحدة بسعر 2100 ليرة فقط أي ما يعادل تقريباً 4.5 دولار أمريكي، على ألا يقل وزنها عن 23 كغ، ويقوم بعض المعتمدون بنقل جزء من الغاز من الاسطوانات الممتلئة إلى أخرى فارغة ليصبح وزن جميع الاسطوانات موحدا، ما يؤدي إلى زيادة عدد الاسطوانات المعروضة لديهم.

يقوم المعتمدون ببيع الغاز لحارة طي بسعر 2500 ليرة للاسطوانة الواحدة، حيث يقوم التجار هناك بدورهم بإنقاص كميات الغاز في كل اسطوانة وتعبئته في اسطوانات جديدة، ويصبح بذلك لك وزن سعر مختلف، فتباع الاسطوانة التي تزن 20 كغ بسعر 2500 ليرة، وكلما زاد وزنها كيلوغرام واحدا يزداد سعرها 500 ليرة أي حوالي دولار واحد، بينما تباع الاسطوانات غير المغشوشة والتي تسمى "دوكما" بسعر يصل إلى 3800 أو 4000 ليرة أي ما يعادل 8.5 دولار أمريكي.

تصل إلى حارة طي نحو 1500 اسطوانة غاز أسبوعيا، ويشتريها التجار بسعر 2500 ليرة سورية أي حوالي 5.5 دولار أمريكي، بعد أن يكون المعتمد قد ربح نحو 500 ليرة عن كل جرة وسطيا، بينما يبيعها التجار بالسعر ذاته بعد إفراغ 3 كغ منها على الأقل، مقابل 500 ليرة إضافية عن كل كيلوغرام، بحيث تبلغ أرباح المعتمدين من هذه العملية نحو مليون ليرة أسبوعيا أي ما يعادل 2130 دولار أمريكي تقريباً.

يتوفر الغاز بكميات كبيرة في حارة طي، إلا أن بقية أحياء مدينة القامشلي تعاني نقصا أو فقدانا للغاز في معظم الأوقات إضافة لفقدان مواد أساسية أخرى كالمازوت والخبز، وذلك رغم أن معمل السويدية الذي ينتج الغاز خاضع لسيطرة "قسد" ما بات يثير غضب الأهالي في أحياء المدينة، خصوصا عند اضطرارهم للتوجه إلى حارة طي لشراء ما يحتاجونه من هذه المواد.


عبد الله العلي

مراسل القامشلي

شارك هذا المحتوى